تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


مخاض المنطقة العسير لمتغيرات دولية عاصفة

الافتتاحية
الخميس 24-11-2016
بقلم رئيس التحرير: علي قاسم

يعلو صخب الاستنتاجات وضجيج التحليلات حول المتغيرات التي تلوح مؤشراتها في سياق ما شهدته الولايات المتحدة الأميركية، باعتباره مؤهلاً وربما متاحاً كي ينسحب على دول ومناطق أخرى،

وتحديداً التي تربطها بأميركا تبعية وهيمنة وربما سطوة، كما هو متوقع، وقد برزت إلى العلن على شكل تيار يكتسح المنظومة الغربية، خصوصاً بعد النجاح الناجز الذي حققه فيون في فرنسا وبروزه كمرشح محتمل للوصول إلى الأليزيه، وتباشير العدوى المتنقلة في غير موقع ومكان.‏

هذا الصخب يبدو أنه متعمّد من قبل الأقرب إلى واشنطن، وغايته حجب الكثير من الحقائق المتدحرجة في ظل تسرّع الكثيرين في إطلاق أحكامهم وتشكيل قناعاتهم، فيما البعض الآخر يرى فيه جزءاً من ظاهرة لم تكتمل بعد، وتحتاج إلى وقت طويل حتى تتبلور، وأقصى ما يمكن أن تصل إليه هو أن تكون مخاضاً لما هو قادم، ومن المبكر جداً الحكم على النتائج المتولدة من سياق هذا المخاض، كما أنه من غير المستحسن الركون إلى بعض المؤشرات السطحية التي تقودها الانفعالات تارة والتمنيات تارة أخرى.‏

والواضح أن انسياق بعض حلفاء أميركا التقليديين خلف جملة من التوضيحات تفتح الباب على اجتهادات تجعل من العسير فهم الأبعاد الحقيقية لما جرى، وتحاول جاهدة أن تطوي صفحة البحث في الأسباب، منعاً لالتباسات محرجة، وخشية أن تنزلق إلى جدال لا يقدم الكثير، لكنها في الوقت ذاته لا تستطيع أن تضعه في خانة المحظور، وذلك بحكم أنّ الارتدادات لن تتوقف عند مشاهد المخاض بقدر ما تؤسس لمتغيرات تبدو بدورها أكثر صعوبة مما هو متوقع، حيث التراكمات والصورة الذهنية والإرث المنقول من حقبة إلى أخرى يحتاج إلى رحلة مواجهة وفتح جبهات، وربما التخندق استعداداً لمعارك مفتعلة أو حقيقية تلتبس على البعض أو تحتمل التأويل.‏

فالتغيير ليس وصفة طبية يمكن أن تكون الدواء الناجع لمشكلات العالم المزمنة، بقدر ما يبدو رحلة بحث في المواجهة المستعرة بين رافضين محترفين ومؤيدين تغلب عليهم صفة الهواة في عالم لا يعترف بالمعايير السياسية المقولبة، ولا يأخذ بالاعتبارات القائمة على محددات واحدة، وواهم من يعتقد أنها صالحة للاستخدام الدائم، فهي مبنية في الأغلب على متغيرات ذات طابع حركي غير مستقر ولها قواعد عمل على النطاق العالمي أكثر مما هي محكومة بالاعتبارات المحلية الصرفة.‏

على هذا الأساس لن يكون التغيير الأميركي القادم، والذي بات شبه محسوم، هو فقط نتاج عوامل داخلية أميركية صرفة، ولن يستطيع أصلاً أن يتبلور إذا لم يمتد في مساحة التأثير والتفاعل خارج الحدود الأميركية، ومن ثم فإن مساحة تأثيره ستبقى مرهونة بمدى مقدرته على إحداث توابع تغييرية له في خطوط موازية، تبدأ من الأقرب، ومن حدود الشراكات النفعية والمصلحية.. ولا تنتهي عند الشراكات بصبغتها الاستراتيجية، بحيث تكون المنطقة ساحة أولى لجولاته.‏

وهذا يحتّم أن يكون النزال متعدد المستويات والجبهات، بين قواعد رفض لا تريد له أن يمتد أبعد من الساحة الأميركية، وبين نوازع تدفعه نحو الشراكة في التغيير، وقد يكون ما حصل في فرنسا مثلاً قصفاً تمهيدياً يحتاج إلى بلورة، وربما بداية مخاض عسير سيحتاج إلى معركة طويلة وكثير من الصبر قبل أن يتبلور، والحال ذاته ينسحب على مجمل البقاع الممتدة في العمق الأوروبي، وقد تكون ألمانيا التابع الإضافي القادم المرهون بمدى قدرة ميركل على سبيل المثال أن تحتفظ بالسلطة في الولاية الرابعة التي تتحضر لخوضها بعد أن أعلنت رسميا الترشح.‏

وفق هذه المعادلة قد يبدو بديهياً أن تبدأ تجارب مخاض التغيير من المناطق الرخوة والتي ترتبط بأميركا ارتباطاً تابعياً وليس على أساس الشراكة، حيث تكون الزوابع المثارة حالة تعبوية مثقلة بعواصف من الانفراط لعقد وجودها قبل أن تصل أعاصير التغيير ذاتها، ويمكن أن تكون الأشهر الفاصلة اختباراً عملياً مثقلاً بتبعاته لمخاض عسير ومتنقل في نتائجه، وإن كان محسوماً في حصيلته النهائية لجهة بلورة مجموعة من التداعيات المباشرة، التي تقتضي نزفاً إضافياً في مورثات العلاقة مع الأميركي، وربما على شكل تورية أو حروب استباقية في الجبهات الخلفية، وليس الأمامية بحكم استحالة المواجهة المباشرة، وقد تكون جبهة النفط إحدى تلك المعارك الاستباقية التي سنشهد أولى جولاتها التصادمية في وقت ليس ببعيد، وتباشيرها الأولى لم تخفها السعودية بل جاهرت بتسريباتها الأولى..!!‏

الأوضح من ذلك أنّ المرحلة توطن إحداثياتها في المنطقة، وفي مخاضها العسير تحتمل ما لا تحتمله غيرها، وربما استوعب التوقيت فيها ما يعجز عنه في ظروف المواجهة الفعلية حين تبدأ مرحلة الانتقال العملي إلى التغيير الذي سيبقى مرهوناً إلى حد بعيد بما ينتج عن الرسائل التي يسطرها، سواء في حزامه الداخلي أم في حلبة التجاذب الخارجي، والتي ستكون مؤشراً على مدى صحة توصيفه بالإعصار وحدوده وانتكاساته، كما أنها معيار للعاصفة المثارة، وإلى أي مدى تقوى على رسم مختلف الاحتمالات، وإلى أي حدّ تستطيع كتابة سيناريو أولي لكل الخيارات بما فيها الناتجة عن تسونامي قادم لا محالة.‏

a.ka667@yahoo.com

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 علي قاسم
علي قاسم

القراءات: 230
القراءات: 1189
القراءات: 519
القراءات: 676
القراءات: 1365
القراءات: 1386
القراءات: 1198
القراءات: 1523
القراءات: 1626
القراءات: 1590
القراءات: 1671
القراءات: 1971
القراءات: 1840
القراءات: 1890
القراءات: 1944
القراءات: 2144
القراءات: 2326
القراءات: 2298
القراءات: 2176
القراءات: 2771
القراءات: 2835
القراءات: 2943
القراءات: 3279
القراءات: 3104
القراءات: 4343
القراءات: 3460

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية