تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


« صراخ في ليل قصير »

إضاءات
الجمعة 23-2-2018
لينـا كيــلاني

تنوعت الروايات، وأصول الحكاية في ذلك البلد الاسكندنافي البعيد (السويد) حول تقليد اسمه (فلوجيستا)، وهي كلمة سويدية تعني (صراخ).. ففي القرية الصغيرة التي تحمل هذا الاسم لا تكاد عقارب الساعة تعلن عن الحادية عشرة ليلاً،

وقد هدأت حركة الشارع، أو كادت أن تنعدم، وعاد الناس الى بيوتهم حتى تنفتح إحدى النوافذ المشرعة لصمت الليل لينطلق منها صراخ عالٍ.. وإذا ما تردد صدى ذلك الصراخ الليلي انفتحت باقي النوافذ لتتجاوب معه بصرخات متتالية ممن هم في الجوار، ولعشر دقائق فقط حتى يعود الليل صامتاً هادئاً كما كان.‏

وقرية الصراخ هذه تعتز بهذا الحدث الذي حافظت عليه على مدى السنين، وظل يتكرر مع كل ليلة حتى غدا واحداً من أبرز تقاليدها التي تميزها عن باقي المدن، والقرى الاسكندنافية.. أما الرواية الأقرب لهذه الممارسة فتقول: إنه إطلاقٌ، أو تفريغٌ لشحنة الغضب المكبوت عند الناس.. ومَنْ من الناس تخلو نفسه من غضب مكبوت يجيش في الصدر، وينتظر فسحة كيما ينطلق؟‏

تذكرت وأنا أكتشف هذا التقليد الغريب، أقول تذكرت رواية (صراخ في ليل طويل) للروائي العربي (جبرا ابراهيم جبرا)، وكان يتناول فيها واقعاً مكبلاً بالتقاليد والعادات التي ما عادت تنسجم مع حاضر مُعاش جعل من أفراد مجتمعه جزراً معزولة عن بعضها بعضاً.. واقع مزق روابط الألفة بين أبناء المكان الواحد، وجعل منهم غرباء بعيون متسعة ترى، ولكنها لا تعي.‏

(جبرا) كان يتطلع في روايته الى مجتمع يستطيع أن يحطم قوالب التقاليد ليخرج الى واقع حديث يتطور مع القيم الحديثة.. بينما أبناء هذا المكان الاسكندنافي يعيشون في الحداثة ويتمتعون بمنجزات التطور التقني الذي يتسع يوماً بعد يوم.. وهم ليسوا في جزر متباعدة عن بعضها بعضها، بل إن مجتمعاً متآلفاً واحداً يضمهم، ويحقق لكل فرد فيه قدراً لا يستهان به من الطمأنينة، ورفاهية العيش بحيث تضيق مساحة الخلاف، والاختلاف بينهم، ويتقلص حجم المشكلات، وتقل أسباب الصدامات بين أفراد البيت الواحد.. لكن للغضب المكبوت صوته مهما كان خافتاً، ومهما كانت أسبابه، أو مبرراته.. ولا بد لأي إنسان مهما بلغ حداً من الرفاهية والسلام ما لم يكن زاهداً متعبداً في محراب أن تنال منه بعض حالات من الغضب مكبوتاً كان، أو معلناً.. لا بد له في النهاية من أن يخرج بأي شكل له، ولو بصرخة فلا يتحول الى صدام مع الآخر، وإنما صوت يتبدد صداه مع عتمة الليل.‏

إلا أن المشترك بين الصراخ في ليل (جبرا) الطويل وذلك الذي ينطلق في الليل القصير إنما يكمن في عمق العلاقات الإنسانية بين الفرد والفرد، وهي تتلون بين أناس يتهادنون، وغيرهم ممن يتنافسون.. بين مجتمعات تبحث عن أصغر المشكلات لتجد لها حلولاً.. وبين أخرى تكاد لا تتحرر من قيود مشكلاتها الكبرى.‏

وسواء كان الليل قصيراً أم طويلاً يظل المرء يبحث لنفسه عن فسحة من الانسجام مع الذات، وتظل للمجتمعات طرقها في تعبير أفرادها عن أنفسهم.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 لينا كيلاني
لينا كيلاني

القراءات: 239
القراءات: 431
القراءات: 218
القراءات: 272
القراءات: 335
القراءات: 346
القراءات: 317
القراءات: 428
القراءات: 364
القراءات: 442
القراءات: 502
القراءات: 483
القراءات: 564
القراءات: 555
القراءات: 551
القراءات: 628
القراءات: 681
القراءات: 634
القراءات: 737
القراءات: 777
القراءات: 758
القراءات: 714
القراءات: 757
القراءات: 830
القراءات: 857

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية