تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


الحياة الثانية

إضاءات
الجمعة 20-10-2017
لينـا كيــلاني

الزمن لا يتقدم فقط بالأعمار، وإنما بتطور الحياة أيضاً، وتبدل أحوالها وعصورها، والإنسان يعبر فيها من حال الى حال، والتغيير قائم في كل لحظة.

وها هي الألفية الثالثة شاهدة على مدى التطور الذي وصل بمركب الحضارة الى مرحلة متقدمة من الابتكارات والمخترعات مما لم يكن في عصور خلت، والإنسان في هذا الخضم يتعرض لتجارب جديدة لم يسبق له اختبارها.. كذلك هي ضغوط الحياة التي تتزايد لدوافع اقتصادية بالدرجة الأولى، وأخرى اجتماعية ،وأسرية، وغير ذلك من الأمور .‏

وهاهي العوالم الافتراضية، والناس حديثة العهد بها ، تأتي اليهم باختبارات يمتزج فيها الواقع بالخيال، والوهم بالحقيقة حتى تكاد الخطوط الفاصلة بينهما أن تذوب، ويصبح كل ما يرد في الخيال قابلاً لأن يكون حقيقياً.. والتطور التقني يدعم ذلك ويخرج كل يوم بما هو جديد الجديد.‏

وآخر هذه الابتكارات هي حياة ثانية تسير بمحاذاة الأولى، أو ربما تتفوق عليها لتصبح مصدراً إضافياً للإبداع، وللمزيد من الأفكار..( الحياة الثانية) هي هذه التي ابتكرتها شركات الحواسيب والبرمجيات، والتي تعاش بالمحاكاة ، وتوفرها العوالم الافتراضية ثلاثية الأبعاد، وقد تطورت بشكل مذهل من خلال الألعاب الإلكترونية، والواقع الافتراضي، والخيارات فيها تتجاوز الواقع الحقيقي للأشياء الى ماهو أبعد كأن يختار من دخل اليها عبر مواقعها الإلكترونية مكاناً تنعدم فيه الجاذبيةمثلاً، أو أن يختار ان تكون كل الأشياء من حوله شفافة، أو أن يكون لشكله تميزاً لا يملكه من حوله، وهو يتحرك في هذا الفضاء النموذجي الذي صممه لنفسه بحرية تمنحه قدرات فوق قدراته الحقيقية.. وهنا يكون السؤال: ماذا ستفعل يا هذا في فضائك الافتراضي الذي حررت نفسك فيه من كل قيد جاذبية الأرض، وكثافة الأشياء من حولك، وغدوت فيه متفوقاً بإمكانات لا تملكها في حقيقة تكوينك؟.. هل ستكتفي بلهو كحلم يقظة ، أم أن هذا الفضاء الخرافي سيلهمك ويقودك الى اكتشاف قدرات تملكها ولكنك لا تدركها؟.. كل هذا وارد.. لأنك تستطيع أن تعبر عن نفسك بشكل حر بلا قيود في بيئة افتراضية ثلاثية الأبعاد تمنحك الفرصة لتخلق أي شيء يمكنك تخيله، كأن تبني بيوتاً أو مدناً مثلاً، أو أن تخلق أبطالاً بملامح مميزة، أو أن تخوض مغامرة في أعماق البحار، أو أعالي الجبال الثلجية ، أو حتى .. كما يقول أحد مصممي الحياة الثانية.. ان تلتقي بطلابك داخل القلب البشري لتشرح لهم كيف يعمل هذا القلب، وغير ذلك من الأفكار، ولو كانت في أن تترجم مشاعرك الى صور، وكأنك خضت فعلاً تجربة حقيقية لا افتراضية.‏

لكن من ابتكر فكرة (الحياة الثانية) وأوجد لها مواقع إلكترونية يدخل اليها من أراد باسم رمزي، وصورة له يختارها من بين صور لا حصر لها لتعبر عن شخصيته.. ولعله سيختار لنفسه صورة يرى أنها الأمثل في التعبير عنه ولو كانت لا توافق حقيقة مظهره.‏

أقول إن من ابتكر هذه قد عدد مساراتها لتبدأ من الألعاب وتنتهي أو لا تنتهي عند مواقع العلم، والثقافة، والجامعات الافتراضية في التعليم عن بعد.. ولك أن تختار أي مجال في حياة ثانية تريد ان تختبر قدراتك من خلالها سواء في الإبداع، أو في التواصل الاجتماعي, أو التسلية ، أو التعليم، أو العقارات، أو الأعمال.. والإمكانية متاحة أيضاً لتصميم قاعات عرض افتراضية للشركات التجارية لعرض منتجاتها عوضاً عن أن تشارك في المعارض التي تقام لهذا الغرض، أو أن تقوم الشركات بتدريب موظفيها عبر شاشات الحياة الثانية دونما الحاجة الى انتقالهم الى مواقع تخصص للتدريب في أي مجال كان.‏

كذلك وفرت هذه التقنية أيضاً الى جانب خدماتها للأفراد، أو للشركات أقول وفرت خدمات للدول في تدريب جنودها على الحروب كما لو أنهم في ساحات القتال باستخدام تصاميم افتراضية دون الحاجة الى بنائها في حيز مادي يستدعي تكاليف مالية باهظة، ليحل التدريب بالمحاكاة بدل التدريب الفعلي إذ أنه يوفر مساحات أكبر للتجربة المدعمة بمزيد من المعلومات والخبرات.‏

أرض جديدة غير مألوفة للابتكارات والاختراعات وهي تتحول الى صناعة دائمة التطور باتت تغري بالدخول إليها.. دخول قد يكون للهدم .. أو للبناء.. ولنا كل الحق في الاختيار.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 لينا كيلاني
لينا كيلاني

القراءات: 162
القراءات: 180
القراءات: 257
القراءات: 321
القراءات: 333
القراءات: 385
القراءات: 424
القراءات: 412
القراءات: 380
القراءات: 394
القراءات: 456
القراءات: 497
القراءات: 477
القراءات: 547
القراءات: 576
القراءات: 621
القراءات: 185
القراءات: 871
القراءات: 932
القراءات: 1138
القراءات: 1171
القراءات: 1357
القراءات: 1502
القراءات: 1467
القراءات: 1534

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية