تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


« إذا ما هُدم رمز.. »

إضاءات
الجمعة 24-11-2017
لينـا كيــلاني

تعودنا على مدى دهور وأجيال كثيرة أن نصنع رموزاً، وأن نجعل منها نماذج إنسانية تشرق في فضاءات حياتنا لتصبح قدوة لنا نهتدي بسلوكها، ونجعل منها مثالاً أعلى نحاول أن نسير على نهجه وخطاه.. لعلنا نصل الى حيث حلمنا،

أو أردنا أن نصل.. أو على الأقل إذا ما فشلنا في تحقيق ذلك يكون لنا شرف المحاولة، وأننا جهدنا لكي نبلغ ما نعتقد أنه الأفضل.‏

هكذا نشأنا.. وهكذا تنشأ الأجيال المتتابعة.. والأهل غالباً ما يقفون الى جانب أبنائهم في اختياراتهم.. ولو أساء أحد اختياراته فهناك دوماً مَنْ يصحح، ومَنْ يقوّم، وللمجتمع كلمته في هذا المسار التي تعبر عن نظرته الى سلوك الأفراد رفضاً، أو استحساناً على حد سواء.‏

هذه القيم والمثل هي التي رسخت في الشخصية.. ففي كل مجتمع مهما صغر، أو كبر هناك من يلجأ الناس إليه كنموذج متفوق على باقي أقرانه ولديه الحكمة والمعرفة.. وحتى في مجتمع القبيلة، أو العشيرة فمنه من هو شيخها، أو حكيمها الذي يحتكم الناس اليه.. فهل يجوز بحال من الأحوال إقصاءه أو نفيه؟.. ما أظن أن هذا مما يجوز اقترافه.‏

وحالة خلق الرموز عموماً سواء أكانت لأفراد، أو لمجتمعات، أو حضارات إنما هي تمجيد للقيم العليا صعوداً نحو الإرتقاء لا هبوطاً نحو الإنحدار.. إلا أن بعض الظواهر الشاذة تبرز بين حين وآخر لتسود وتشتهر، وتصبح كالـ (الموضة) التي يقتدي بها كثير من الناس، وللشباب عموماً النصيب الأكبر من الانسياق وراء مثل هذه الظواهر والمظاهر الجديدة، ولو كانت شاذة وهي تدخل الى بيئاتهم كرهاً، أو طوعاً.‏

إن لوسائل التعليم بكل مراحله، وللإعلام بكل اشكاله الدور الأقوى، والأبرز من بين العناصر التي تشكل الوعي المجتمعي، فما بالنا الآن وقد أصبحت شبكة المعلومات شريكاً لا يُغفل فعله، كما تأثيره في تشكيل ما نسميه بالرأي العام الذي يسبر أمزجة الناس، وآراءهم حتى ليكاد يصبح هذا الشريك هو الأقوى في معادلة الرفض، أو القبول.‏

لقد أصبح هدم الرموز بالتالي ظاهرة مستجدة تأتي الى المجتمعات العربية في الوقت الصعب الذي تنهار فيه أسوار الدول ليسهل اجتياحها.. رموز فكرية، أو وطنية، أو تاريخية، أو سياسية، أو حتى دينية باتت في دائرة الاتهام لتُحاكم من جديد في محاولة لإسقاطها من مكانتها أولاً، ومن الذاكرة ثانياً بعد التشكيك بها، وطمس معالم صورتها الحقيقية.. والحجج في سبيل تحقيق ذلك باهتة، وهشة، ولو وضعت في ميزان المنطق لسقطت قبل أن توزن.. لكنها في واقع الأمر تقوم بدورها الهدام، ولتتحول المجتمعات بعد ذلك بفعلها الى تجمعات بشرية لا ذاكرة لها بعد أن فقدت رموزها التي نبعت منها، وعبّرت عنها. فلا هوية، ولا وجه، ولا صفة تميّز بعد غياب ثوابت الأمة.‏

إن تحطيم الرموز سواء كانت بشرية، أم حجرية إنما هو تحطيم لروح من آمن بها.. وتهديم بالتالي لقواه المعنوية حتى لا يكون قادراً على الفعل الإيجابي من جديد.. فإذا كنت تريد هدم أمة فدمر ذاكرتها الحضارية في آثارها، ومتاحفها، وثقافتها التي تحمل إرثها.. ولعل هذه الخطط الجهنمية إنما هي من أبرز استراتيجيات الحروب المدمرة التي لا تبقي، ولا تذر.. فالحجر لا قيمة له إلا بمقدار ما يحمل من إرث حضارة شعب من الشعوب، أو أمة من الأمم.. ليصبح تجسيداً لذاكرة جمعية يتوارثها أهل بلد واحد، أو منطقة واحدة من جيل الى الآخر ليصبح الأمر في نهاية المطاف عنواناً، وهوية لكل من ينتمي الى ذلك المكان. الإرث الحضاري ليس صخرة (سيزيف) التي كلما صعد بها تدحرجت منه الى القاع ليعود من نقطة البدء في رحلة صعود ثانية، وثالثة، وعاشرة الى ما لا نهاية من عذاب الصعود.. بل إن الإرث الحضاري جبل يتطاول بنيانه كلما ارتفعت قمته.‏

حتى لا تنكسر الروح منا.. حتى لا تنكسر أغصان الروح من شجرة الحياة.. حتى لا تذوب شعلة النفوس، وينطفئ وهجها نظل بحاجة الى رموز من الأصالة، والقيم النبيلة نصنعها، أو نحافظ عليها لنحميها مما قد يعرض لها، ويغدر بنا قبل أن يغدر بها إذا ما حُمل فأس الهدم والتدمير.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 لينا كيلاني
لينا كيلاني

القراءات: 372
القراءات: 183
القراءات: 235
القراءات: 304
القراءات: 316
القراءات: 291
القراءات: 398
القراءات: 334
القراءات: 412
القراءات: 471
القراءات: 453
القراءات: 534
القراءات: 522
القراءات: 522
القراءات: 597
القراءات: 651
القراءات: 609
القراءات: 706
القراءات: 744
القراءات: 727
القراءات: 685
القراءات: 728
القراءات: 797
القراءات: 826
القراءات: 801

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية