تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


الثالثة بتوقيت الرقة

معا ُعلى الطريق
الجمعة 24-11-2017
ديب علي حسن

هي الرقة، والرافقة، والرصافة، وهي من الجسد السوري نبض وشريان، لا تحدها تخوم وجبال، لا تسورها جدران من الوهم، لا تعرف إلا سماء زرقاء وحقول قمح تتماوج، وبياض القطن،

وطيبة المنبت والعطاء والرقة لمن لا يعرفها عن قرب هي مدينة تنام قبيل الغروب بقليل، وتستيقظ قبل الفجر وخيوطه الوردية الموشاة بعبق الأرض، الرقة مساحات من الماضي الذي كان يفيء بظله أيام هارون الرشيد من هناك إلى بغداد والظل وارف، وهي التي سلبت لب علي ابن الجهم بحور هن من الأرض وعليها، لا من خيال الرواة ومثيري الفتن.‏

لا أستطيع أن ابتعد كثيراً عن مجرى الرقة مع أنه مضى على عملي فيها ربع قرن ونيف، وما زالت تخضل كل يوم ومن مريران إلى تل أبيض، إلى الطريق الطويل الطويل وإلى محطة القطار تنتظر سيارة أجرة وحين تسأل يقولون لك: المشي أنفع لك و تغذ السير بالصباحات الباكرة، لاشيء يرهبك، تلقي تحيات الصباح على الغادين إلى حقولهم، تصل المدينة الوسنى موشحة بغبار يسمونه العجاج، تشعر أنك في عالم كم تتمنى لو أنك لم تأت إليه، لكنك بعد مرور أيام تقول: حسناً أني أتيت.‏

قرب مكتبة (أبو هيف) ستجد شباباً من عمر الورد، مدرسين أتوا إليها، من دمشق وطرطوس واللاذقية، وحماة وحلب يتواعدون بعد التعارف على اللقاء أول الشهر، هنا بالساحة، والذهاب إلى شط الفرات، إلى مكان ما، وما أروع الأماكن التي تسلبك لبك، ولكنها كانت نائمة، لم توقظها يد حنون من جهات كان يفترض أنها تعمل على السياحة والتطوير.‏

وصلت الرقة أول مرة في مثل هذا الشهر من عام 1989م، وكم لفت انتباهي مبنى رائع جميل، إنه البريد، وهو أول ما سألت عنه، لدي عشرات الرسائل علي أن أدفع بها و وصلت، أم لم تصل، لا أعرف وعلى الأغلب لم تصل لأن الموظف كان يأخذ ثمن الطوابع ويقول لك: دعها أنا أرسلها لك، وما زلت أنتظر منذ ذاك أن تصل رسالتي إلى الشام، إلى مكان ما في هذه الجغرافية التي أهملت الإنسان وبنت الحجر.‏

في الساحة الجميلة ثمة نصب كبير ومرتفع واتساع المكان وجماله يغريك كزائر للمرة الأولى أن تتفحص كل شيء، أعجبني منظر الساعة التي تتربع فوق النصب شامخة تراك قبل أن تراها، من مسافات بعيدة ستعرف توقيت الرقة، من الشارع الشرقي الضيق الذي يعج بكل شيء، ستعرف أن الثالثة ظهراً، تذهب إلى مديرية التربية من جهة الغرب وترى الساعة الثالثة، تقول: ما أسرعني، تتجه إلى الجنوب لعلك تقترب من النهر، وتطل عليك الساعة بتوقيت الثالثة وتهمس: حقاً أنا كما الغزال، سريع، إنه الزمن ينتظرك بالرقة، ولكن ثمة من كان يتربص بالرقة لم ينتظر أحداً ما، اقتنص كل الفرص، وحين سنحت فرصة النهش، فعل، استل سيفاً من الغدر وقطع حبل الضوء حز الوتين، بقر البطون، وسمل العيون، غفلة كان يراقبها، يعرف أنها ستكون لمصلحته في الجولة الأولى، راكم ما يعده، وعلى الطرف الآخر كان من ينعم كما يتوهم بشيء من مغانم المسؤولية، لا الصروح الثقافية، ولا مشيدات مهمة جداً كانت ثمرة العطاء، تم تفعيلها.‏

أغادر الرقة عائداً إلى دمشق والساعة الثالثة ظهراً، أعود إليها بعد عامين، ويا للهول عقرب الساعة ما زال عند الثالثة ظهراً، مضى عامان، ولم يتنبه أحد ما أن الساعة ظلت حيث هي، تكلست عقاربها على الثالثة كما تكلس البعض على كراسيهم...‏

اليوم: الساعة في الرقة مضبوطة على إيقاع النصر، هي نداء النصر، قريب، قريب، ولا أدري أبقيت الساعة الحجرية على الثالثة؟ ما أعرفه أن ساعة النصر أقرب من رفة عين.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 ديب علي حسن
ديب علي حسن

القراءات: 86
القراءات: 167
القراءات: 156
القراءات: 123
القراءات: 209
القراءات: 243
القراءات: 163
القراءات: 285
القراءات: 276
القراءات: 565
القراءات: 492
القراءات: 1217
القراءات: 1098
القراءات: 1100
القراءات: 1160
القراءات: 1131
القراءات: 15746
القراءات: 1606
القراءات: 3577
القراءات: 1418
القراءات: 934
القراءات: 593
القراءات: 582
القراءات: 563
القراءات: 650

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية