تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


« الرواية العربية الآن.. »

إضاءات
الجمعة 13-10-2017
لينـا كيــلاني

لم يعد المشهد الروائي الآن كما كان عليه في زمن الرواد ومن تلاهم حتى أمد قصير بل إن هذا المشهد لعله تغير كثيراً. فالرواية لم تعد تلك التاريخية، أو التي توظف التراث، أو الأخرى التي تعالج الموضوعات الاجتماعية، أو العاطفية، وصولاً الى الرواية الواقعية التي انحرفت عن مسارها بفعل متغيرات العصر، وتراجع الثقافة.

هذا عن الرواية العربية عموماً، ولو اتخذنا الرواية من أي بلد عربي نموذجاً لقلنا إن الصورة تكاد لا تختلف عما هو قائم في باقي الدول العربية. إلا أن سمة الواقعية هي التي أصبحت الأكثر استحواذاً على هذا الجنس الأدبي ألا وهو الرواية.‏

أما الواقعية التي برزت بكثافة مؤخراً في الرواية عموماً فهي لم تعد تلك الواقعية التي توجه الواقع بل التي تصور هذا الواقع بانحرافه، وفظاظته وصولاً الى اصطياد القارئ في ما تعتمده من وصف يخدم القيم الغربية أكثر مما يخدم قيمنا نحن.‏

أما إذا كانت عين الروائي على أن يتحول عمله الى السينما، أو التلفزيون فهذا يحقق بدوره اجتذاباً لجماهير كبيرة. والمفجع في الأمر أن هذا الرواج الذي قد يصيب الرواية في حال تحولها سينمائياً، أو تلفزيونياً، أقول: إن هذا الأمر يدخل في تقييم الرواية على أنها ناجحة. أما عدد الطبعات، والترجمة الى اللغات الأخرى فهما عاملان إضافيان في تقييم جودة الرواية ونجاحها، ولو أنهما قد لا يمتلكا مصداقيتهما. والشك يحوم حول هذه الترجمات لبعض الروايات العربية المنتقاة، فالغرب يتصيد قيمه التي تتجلى في مثل هذه الأعمال الروائية والتي تصدر عنا، وخاصة ما يصدر عن المرأة الروائية، والذي يصنف بالمفهوم الغربي تحت مسمى (الأدب النسائي) ـ ولو أنني شخصياً لا أعترف بهذا المصطلح ـ فكلمـا وجد الغـرب رواية تكتبها المرأة، وتحفل بالإباحية والعري الروائي ـ وليس الجسدي ـ كلما احتفى بها ونقلها الى لغاته المتعددة كخطوة الى الأمام. والدليل على هذا أن هناك روائيات عربيات يكتبن روايات هي بالمقاييس الفنية ساقطة لكن كاتباتها اتبعن الأسلوب الإباحي المكشوف فاعتبرت أعمالهن نماذج للرواية النسوية. وهذا ما يدفعني لأقول إن الرواية (النسائية) الآن ليست أكثر من انفجار روائي لهموم الجسد، والحب، والعلاقة بالرجل، وبرؤية ضيقة، ومنغلقة على مشاعر الأنثى.‏

إذاً فمفهوم الواقعية في الرواية قد انحرف بعد أن كانت الواقعية لتصوير الواقع وتحسينه، ودفعه للبعد عن الخطأ، وأصبحت الواقعية الآن مقصودة بحد ذاتها وكأنما هي للاستمتاع بهذا الواقع لا لتحسينه.‏

ومادامت للرواية هذه المكانة العالية بين الأجناس الأدبية، ومادمنا قد دخلنا في زمن العلم، والعولمة، والأحداث المتفجرة على المستوى الوطني كما الإقليمي والعالمي، فأين هي الرواية الآن من أحداث القرن الحادي والعشرين الكبرى؟ ومن أين تستقي موضوعاتها واتجاهاتها؟ ولماذا لا نجد روايات تكرس لهذه القضايا الكبيرة التي نعيشها عدا تلك تتسلق على وقائع الحروب فقط لتنقل صورتها كما في أي نشرة إخبارية، ودون رؤية عميقة ذات بعد تحليلي؟‏

الرواية إذاً باتت متقوقعة على مواضيع ضيقة قد تمتع آنياً لكنها لا تفتح آفاق المعرفة، ولا توسع رؤية الإنسان بما يشتمل على مشكلات عصره حتى البيئية منها، والتي بسببها ينال الكاتب جوائز عالمية كجائزة نوبل وغيرها من أمثال ماركيز، ومحفوظ، وآخرين، بل إن هذه البيئة أصبحت هجينة ومختلطة ببعضها وكأن المرء يحمل منظاراً ويرى بقعة صغيرة من المجتمع دون المجتمع كله.‏

أما استلابنا الثقافي وحتى العلمي، وما يمر بنا من مراحل خطيرة فإنه لا أحد يقترب منها بشكل جاد وحقيقي في الرواية، أو أن الروائيين لا يجرؤون على ذلك، ولا يتقنون إلا أن يظلوا يدورون في أفلاكهم الخاصة؟‏

كل هذا وأكثر.. دون أن ننسى الغياب الكامل للروايات ذات المضمون الفلسفي، والرؤية الشاملة لحياة الإنسان على الأرض، والتي تطرح مقولات كبيرة في الوجود وعلاقة الإنسان بالكون.‏

إذاً.. لا البيئة بحقيقتها هي حاضرة في رواياتنا، ولا المقولات موجودة، وما تفرزه الساحة الأدبية الآن في هذا الجنس الأدبي أكثر ما يشبه الوجبات السريعة التي لا تسد حاجة، ولا تغني من جوع.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 لينا كيلاني
لينا كيلاني

القراءات: 3
القراءات: 380
القراءات: 185
القراءات: 236
القراءات: 304
القراءات: 316
القراءات: 291
القراءات: 398
القراءات: 335
القراءات: 412
القراءات: 472
القراءات: 453
القراءات: 535
القراءات: 526
القراءات: 522
القراءات: 597
القراءات: 651
القراءات: 610
القراءات: 706
القراءات: 744
القراءات: 728
القراءات: 688
القراءات: 729
القراءات: 797
القراءات: 827
القراءات: 802

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية