تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر


حلب في القرن الثامن عشر حاصرها العثمانيون 101 يوم ..

ثقافة
الأربعاء 5-8-2015
ديب علي حسن

حاضرة الدولة الحمدانية , حامية الشام والثغور , وسيف الدولة في رحابها يصول ويجول , شاهرا سيفه , وحوله الشعراء والكتاب والادباء , حلب الحياة والحضارة والصناعة , مدينة الكواكبي والصرخة المدوية بوجه العثماني.

حلب اول مطبعة, واعرق الصناعات النسيجية , ومحطة للارمن الهاربين من جور وبطش العثماني , حلب منذ ان كانت الى اليوم , وهي في وجه العاصفة , صحيح انها نقطة التحول على طريق الحرير ولولا وجودها لتاهت قوافل , وضاعت بلدان , هي واسطة العقد بين الشرق والغرب , آوت واطعمت , واسكنت , وقدمت كل ما لديها ازدهت بالفن بالابداع بالطرب , بالحب بالانسانية , بكل ما تعبق به الحياة , زهت بهذا كله , على الرغم من الآلام النازفة , لم تكن الآلام عابرة ابدا , ولم تنعم حلب بالامن والهدوء الا قليلا , ومع ذلك نهضت وبنت.‏

هل تتذكرون حلب يوم كانت عاصمة للثقافة الاسلامية ؟ اظن وبعض الظن يقينا انها من يوم ذاك وضعت في عين الاعصار التتري العثماني , في عين الذئب الكاسر المتوحش , شحذ انيابه ,وجدد وحشيته.‏

لا نقلب مواجع ولا نفتح دفاتر , ولا نبالغ , حتى يأتي من يتهمنا اننا مغرمون بنظرية المؤامرة , عام 2007م واحتفاء بحلب عاصمة للثقافة العربية , اصدرت وزارة الثقافة مجموعة هامة من الكتب المؤلفة والمحققة , والمترجمة , ومن هذه الكتب , ما هو بأقلام غير عربية , وضعه مستشرقون وباحثون غربيون , وبالمناسبة نحن مقصرون جدا في ترجمة معظم ما وضع عن حلب من مؤلفات غربية.‏

الاستاذة الدكتورة ملكة ابيض استاذتنا ورفيقة درب الراحل الكبير سليمان العيسى , ترجمت كتاب:المدينة العربية حلب في العصر العثماني (من القرن السادس عشر الى القرن الثامن عشر) وهو من تأليف : اندره ريمون , وصدر عن وزارة الثقافة بدمشق.‏

لن ادخل في تفاصيل الكتاب كاملة , على الرغم من اهميتها , وان كنت اشير الى بعض العناوين الهامة منه مثل :البنية المكانية للمدينة \ اشارات حضرية ودراسة لسكان المدينة العربية الكبرى\ نقل المدابغ في حلب والقاهرة وتونس مؤشر على النمو المدني \الاوقاف الكبرى وتنظيم المكان الحضري في حلب والقاهرة في القرنين السادس عشر والسابع عشر \ الاحتلال العثماني ونمو المدن العربية الكبرى , دراسة حالات القاهرة \ دمشق \ حلب.‏

الفصل الرابع عشر عنوانه: حلب في العهد العثماني , ومن هذا الفصل ننتقي ما جاء فيه عن انتفاضات حلب بوجه السلطنة العثمانية وظلمها وجورها الذي بلغ حدا لايطاق , انه الحقد العثماني القديم على المدينة مذ دخلها محتلا , ورآها درة الشرق.‏

انتفاضات حلب‏

يقول الباحث او المؤلف: اول انتفاضات حلب كانت سنة 1770م انطلقت من احتجاج السكان ضد الرسوم التي كان الولاة والقضاة يحصلونها , كم ادت صعوبات الحصول على المواد الغذائية والاحتكار , والمغالاة في ضبط المهن الى احتجاجات شعبية قوية مرات متتالية , على ان احتجاجات اقوى كانت تثور ضد اقتطاعات الولاة او المخاوف من مجيء وال لهم معه تجارب مؤلمة مما يدفعهم لطرده , او منعه من دخول المدينة.‏

في كانون الاول عام 1775 م قام اهالي حلب بأجمعهم ضد علي باشا الذي وصل حديثا الى حلب , ولكن اعمال العنف والمصادرات التي بدرت منه اكدت سمعته السيئة التي سبقته , ثار الاهالي وتمت محاصرة الباشا في سراياه , واطلقت النيران من القلعة على المدينة وفي النهاية خرج الباشا من المدينة ( بدون حاشية ولا موسيقا ولا اعلام ) من باب السراي حتى باب المدينة , أي انه اجتاز مسافة نصف ميل , بينما كانت الطرقات والاسطحة مغطاة بجمهور كبير من الناس الذين يحملون البنادق في ايديهم , وكان الاطفال يشيرون اليه هازئين , فاضطر الباب العالي للرضوخ للحدث , وتعيين خليفة لعلي باشا.‏

في عام 1778م فكر متسلم ارسلته اسطنبول للنيابة عن الباشا في اعدام قادة حلبيين , ولكن رد الفعل الموحد للسكان الذين هاجموا السراي جعله يعدل عن مشروعه , وفي عام 1780م هاجم وال جديد الاشراف والانكشاريين ولكن دون ان يحقق نجاحا وبعدها فرض جعلات على العديد من المهن ولاسيما على الخبازين والنحاسين وملأ السجون , هذه الاذلالات جعلت السكان يطردونه من المدينة ويرسلون وفدا الى اسطنبول.‏

بعد ذلك بقيت حلب اربعة عشر شهرا بلا وال, أي حتى نهاية عام 1785م .‏

عام 1787م , وهو العام الذي ابتليت فيه المدينة بانتشارالطاعون ومجاعة خطيرة , اتخذ سكان حلب المبادرة لدى اعلان وصول الوالي : عثمان باشا , المصحوب بأعمال العنف والمصادرات في المدن التي يمر فيها , فمنعوه من دخول البلد , وواجهوه مما ادى الى انسحابه.‏

ويشير المؤلف الى ان الحلبيين كانوا متوحدين بوجه الظلم العثماني , وان حاول هذا اللعب على المكونات الاجتماعية واثارة الفتن وقد نجح احيانا بفعل ذلك , ومن ثم يقف عند الانتفاضة الاخيرة والاكثر اهمية التي عرفتها خلال الاحتلال العثماني , اذ كانت المتطلبات الضريبية والاقتطاعات التي تقوم بها السلطات العثمانية ومصاعب الحصول على المؤن , سبب التمرد كما يسميه هو والذي انفجر ليلة 23 تشرين 1805م , طردت المدينة العسكريين العثمانيين , ونظمت مجلسا من الاعيان يمثل الاحياء برئاسة محمد اغا اوجاق ,حينها اررسل الباب العالي ثلاثة باشوات لنجدة حاكم حلب‏

خورشيد باشا مع تسعة الاف رجل لمحاصرة حلب , وبعد 101 ويوم من الحصار اضطر الحلبيون للاستسلام في شباط 1820م‏

وبعد : يسألون عما يجري لحلب , ويسألون عما يفعله الحقد العثماني الجديد , لم ينس الاحمق العثماني ان حلب كانت بداية انهيار الامبراطورية العثمانية , وان عبد الرحمن الكواكبي وغيره من ابناء حلب كانوا قناديل اضاءت الدرب ليس في حلب وسورية انما الوطن العربي , ولم ينس انها ــ حلب - مدينة العلم والصناعة وانها الشاهد على جرائم بني جلدته بحق الارمن , وان حلب المدينة تاريخاً وصناعة وحضارة هي درة الشرق , وهي الاكثر حضورا في الشرق فكان لابد من تدميرها , رحم الله الشاعر الزهاوي حين اطلق صرخته المدوية:‏

بني يعرب لا تأمنوا الترك بعدها‏

بني يعرب ان الذئاب تصول‏

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية