تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر


أمي

معاً على الطريق
الأربعاء 21-3-2018
أنيسة عبود

منذ عقد ونصف سافرت أمي ذات غسق دون أن تودع أحداً، أو تخبر أحداً من إخوتي.

حتى إنها لم تأخذ أشياءها الخاصة ولا خاتمها الفضي، ونسيت أن تحمل معها منديلها الأبيض وأدويتها والمراهم التي تدهن بها ركبتيها لتخفف وجع المفاصل اللعين الذي أصابها مبكراً.‏

ولم تتذكر أن تأخذ قطرة ضغط العين التي كانت تضعها في درج (البرم) كما تسميه. حتى أنها لم تخبر لطيفة زوجة عمي ولا ودعت الحقول التي أكلت من يديها وعمرها.. فقط نظرت إلى باب بيتنا الأخضر الذي تظلله شجرة التوت وتنهدت وهي تلتفت إلى سرير أبي الفارغ إلا من (شملته الصوفية القرميدية) وهمست بأنها تريد أن تنام باكراً لأنها متعبة.‏

لم أكن أعرف بأنها ستسافر دون أن أراها لتمسح رأسي بيديها الطريتين كعادتها وتوصيني دائماً بالصبر و(طولة البال) فأقبّل يديها وأخبرها عن آخر أخبار القرية والجيران والأقرباء ثم أتركها لصمتها الطويل الذي كانت تتقنه ولا تحب أن تكسره النميمة أو الشماتة.‏

لكن في ذلك الغسق صمتت أمي طويلاً ولم ترد التحية ثم سافرت.‏

عقدٌ ونصف من الغياب وأنا ما زلت أراها تقف لي بالباب كلما سافرت بعيداً لتودعني بنظرة حانية وابتسامة حزينة وهي تلوّح بيدها المعروقة دون أن تنبث بحرف.‏

عقد ونصف وأكثر وأنا أضع صورتها التي رسمها -ابني قتيبة- بقلم الرصاص عندما كان صغيراً - في مدخل المنزل وقربها كأس ماء فيه حبق أو وردة جورية أو بعض الطّيون الذي يرمز إلى مروج القرية وحقولها حيث كانت أمي تزرع صبرها وشقاءها لتنبت سنابل القمح ونأكل من خبزها.‏

في الآونة الأخيرة ونتيجة لتكاثر الهموم كما تكاثر السهام صرت أنسى أن أجدد ماء الكأس ليبقى الحبق أخضر. فأعتذر من أمي وأنا أمسح على صورتها وعينيها الذابلتين فأشعر بأنها تفتح عينيها جيداً وتنظر إليّ وهي تعيد وصاياها على مسامعي.. وإذا ما استدرت بعيداً عنها أحس أنها تتبعني كما كانت تفعل فيما مضى وهي تقرأ عليّ حكمتها وصبرها وتجربتها في الحياة القاسية التي عاشتها. وإذ أنصت لصوتها أشعر أنها لم تسافر.. وأنها ما زالت في ذلك البيت (العتيق) الذي يزين نوافذه درابزون عتيق مخرم .وأنها تتحرك حاملة ( مقلي الفخار ) لتطبخ مجدرة البرغل لأبي الذي سيعود من سوق جبلة محملا» بالصابون والرز والحلوى وخيوط الملاحف ومسلات الدخّان وعدد من قطع (كعب الغزال) الملونة التي يوزعها على أولاد عمي وعليّ. لكن كعب الغزال لا تلهيني عن تذكيره إن كان جلب لي أقلام الرصاص والورق الملون من المدينة. وكم كانت دموعي سخية إذا ما نسي أبي طلباتي، حتى أن أمي كانت تحزن وهي تقول (ليش زعلتها)؟.‏

اليوم وقد طفح كيل الزعل والحزن والخيبة.. وفاض القلب بالأسى وليس من أحد أشكوه هذا الأسى. مع ذلك كل صباح أنظر إلى صورة أمي وأصبّح عليها.. وعندما أغادر أطلب منها السماح والدعاء لأن الأم تسمع أبناءها ولو غابت وتراهم في قلبها وهي في آخر العالم.. ولأنها الستر وكاتمة الأسرار وموئل القوة والضعف.‏

صحيح أني أفتقد أمي بحرقة في عيد الأم.. ولكن كلما ضاق صدري أقف أمام صورتها وأحدثها بصوت عال وأشكو لها وجعي ووجع وطني.. وإذ تهطل دموعي أشعر بيدها تمسح قهري وتهمس (الصبر مفتاح الفرج).‏

يبدو أن الأمهات لا يسافرن ولا يغادرن مهما طال البعد ومهما طال الزمن لأن خيطاً من الضوء موصول بين الأم وأبنائها إلى الأبد ولهذا نشكو لها في حضورها وغيابها لأنها وحدها تستطيع الإنصات لوجعنا ووحدها تغطي ضعفنا وعرينا.. ووحدها تشبه الوطن والوطن يشبهها..‏

فإليك مني السلام يا أمي ولكل الأمهات السوريات اللواتي ينتظرن الغائبين المزروعين في معارك الشرف والكرامة.‏

عيد الأم عيد يرجعنا إلى طفولتنا ويعيد أمهاتنا إلى قلوبنا ويفتق الكثير من جراحنا ولكن لا بد من تقديم الورد للأمهات وتقديم الدم للأوطان الأبية.‏

كل عام والأم السورية بخير من عشتار إلى أمهات الشهداء الصامدات الصابرات القانتات اللواتي ينتظرن ويطول الانتظار وما أصعب انتظار أكبادنا التي تمشي على الأرض.‏

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية