تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر


حوار الفضاء.. «كمال بلاَّن»..«خلايا جسدي.. من هواء ومياه وتراب سورية»

ثقافة
الأربعاء 29-3-2017
هفاف ميهوب

فنانٌ، أجادَ في عزفِ تقاسيم الروح التي أرادها تهيمُ في الفضاءات رقصاً يُحيي الجمال والسلام والطمأنينة لدى الإنسان.. الإنسان الذي ما أكثر ما دعاهُ للحياةِ حباً ينتشي بـ «طيران الروح» في عوالمٍ لا حقد فيها ولا أوجاع أو أحزان..

إنه الشاعر والملحن والمؤلف المسرحي السوري «كمال بلاَّن» الذي أبى، ورغم إقامته في موسكو منذ أكثر من أربعين عاماً، إلا أن يكون الناطق الأخلاقي بأحوال وطنٍ، سعى لكفكفةِ نزيفه شعراً ولحناً وحباً.‏

لأجلِ كل ذلك، ولأنه أول من أسّس فرقة للموسيقا العربية، وأول من أدخل آلة العود إلى صالة «تشايكوفسكي» العالمية. أيضاً، لأن آخر ما قدَّمه، وفي قصر المؤتمرات بـ «الكرملين» أغنية للجيش العربي السوري، ارتأينا محاورته وسؤاله عبر الفضاء الإلكتروني:‏

• سوريٌّ، ويجري عشق وطنكَ في دمكَ حياة. من أنتَ، وكإنسان أولاً ومن ثمَّ كفنان له مسيرة طويلة وغنية بالإنجازات؟...‏

•• ولدتُ في السويداء، ولأسرةٍ يميّزها عشقها للموسيقا التي بدأت رحلتي معها، بتعرفي على صديقٍ لم يفارقني يوماً «العود العربي»، وقد اشتركت خلال الدراسة الإعدادية بحفلات المدرسة، ومن ثمَّ ببرنامج «نجوم وأضواء» حيث عزفت تقاسيم الفنان «فريد الأطرش» المشهورة، بمهارة و«تكنيك» مميزين، وبعدها سافرت إلى «الاتحاد السوفييتي» للدراسة عام 1973 ولم تفارقني آلة العود التي كانت أنيسَ غربتي، والكتف الذي أبكي عليه عند الصعوبات.‏

شاركت في الحفلات الخاصة بمعهد الهندسة المدنية الذي كنت أدرس فيه، وفي حفلات المدينة الجامعية، وبعد أن أنهيت الماجستير عدت إلى بلدي الحبيب سورية عام 1983 لأعمل بمجال دراستي، وكانت هذه الفترة مميزة في حياتي، لأنني لم أنجح خلالها في مجال عملي كمهندس مدني فحسب، وإنما أيضاً، لأنني قضيتها برفقة صديقي الفنان الراحل «فهد بلان».‏

أيضاً، كنتُ أحد مؤسسي «فرقة الدرب» التي أدّت أغاني لشعراء المقاومة «سأقاوم» لسميح القاسم، و«أموت اشتياقاً» و»لأجمل ضفة أمشي» للشاعر محمود درويش, وشاءت الأقدار أن أعود مجدداً إلى الاتحاد السوفييتي عام 1989، وأن تبدأ مسيرتي الفنية بتأسيس أول فرقة للموسيقا العربية القديمة في «موسكو» وكان أعضاؤها من مختلف البلدان العربية..‏

لم يتوقف طموحي، فأسَّستُ فرقة سيمفونية الهدف منها، إبراز آلة العود في الموسيقا العالمية، وتم توزيع أكثر من أربعة وثلاثين عملاً لهذه الفرقة التي تصدَّر العود أداءها بين مختلف الآلات العالمية، وإضافة إلى الموسيقا العربية والغربية، عزفت الفرقة أيضاً، موسيقا من ألحاني ومنها «طيران» و»حديث الريح» و»فالس الأندلس» وتانغو «ترحل» و»مزاج موزارتي» وغيرها».‏

• تقول: «كيفَ حالكَ يا أنا؟/ أما زلتَ تتنكّر بيني وبينكَ في الخفاء/عُدْ إلى حيثُ يجب أن تكون/ وأخرجني من الظلام إلى الضياء». أتُراها محاكاة للإنسان عموماً أم لذاتكَ السورية في ظلِّ أوجاعها والوطن؟.‏

•• أحاكي هنا كل نفس سورية تعيش هذه المرحلة الصعبة. كلّ من هاجر مجبراً أو غير مجبر، ومن بقي يدافع إما بدمه أو بصبره، وبكل ما يعانيه من ألم في هذا الوضع الذي تكالبت فيه عشرات من دول العالم ضد بلد الحضارة وشمس الأرض وأرض الشمس.. أحاكي كل نفس سورية كُتب عليها أن تغترب لتمثِّل حضارتنا السورية الممتدة في أعماق التاريخ.. أيضاً، أحاكي نفسي لأنني أحد الذين زرعوا الياسمين والحبق السوري في شقتهم بموسكو، كي يبقى جزء من عطر الوطن يفوح يومياً في هواء مسكني. أحاكي نفسي كي أخرج من ظلام الغربة والحرب والعذاب إلى نور سورية. ولطالما كتبت: «اخرجي أيتها الزهرة العطرة من خيالاتي إلى يقظتي»..‏

• كنتَ أول من أدخلَ آلة العود إلى صالة «تشايكوفسكي» العالمية، ما هدفك، وما الصدى الذي تركه إنجازكَ هذا لدى عشّاق الموسيقا والمهتمين بروحها الشرقية؟..‏

•• كان حلمي أن أعزف على آلة العود أمام فرق نادرة عالمياً، وحصولي على إمكانية العزف أمام الفرقة الأكاديمية الحكومية للآلات الشعبية الروسية الشهيرة، يعتبر انتصاراً لثقافة العرب. كان هدفي نشر الثقافة العربية كونها ليست ثقافة أديان فقط وإنما ثقافة فن وحضارة إنسانية، وقد تركت مشاركاتي في حفلات صالة «تشايكوفسكي» صدى كبيراً جعلني، وأقولها بفخرٍ، أبكي على خشبة المسرح وأنا أشاهد أعداداً كبيرة من الجمهور تتسابق لتقديم الورود لي.‏

• في مسرحية «سفينة نوح» سعيتَ وكملحنٍ ومؤلف لها، لجعل المشاهد يحلّق مع روح النص وألحانه الشرقية. ما الذي أردت قوله من هذا النصّ؟..‏

•• في كتابتي لنصِّ مسرحية «سفينة نوح» أعلنتُ أن الحب هو المنقذ الوحيد للإنسانية، وليست الحروب والعداوة، وقد وجهت في نهايتها رسالة إلى كلِّ الإنسانية. وجّهتها عبر أغنية فيروز أوروبية الأنغام «حبيتك بالصيف» وعبر ما تخلل المسرحية من موسيقا «نينوى» السورية، إضافة إلى مناظر تاريخية لسورية، ووحدَّت ما بين فن السينما الاستعراضية والمسرح الاستعراضي بنص شعري كُتِبَ باللغة الروسية، وقد أثنى على هذا العمل النجم الروسي الشهير «أرميان جيغارخانيان» صاحب المسرح المسمى باسمه، والذي قدمت المسرحية على خشبته.‏

الجدير بالذكر، أن كل الحفلات التي قدمتها كانت على حسابي الشخصي وقد كلفتني الكثير من الأموال لكي أعلن عن أهمية الصداقة الروسية السورية.‏

• أيضاً، ساهمتَ في نجاح مسرحية «علاء الدين والمصباح السحري» التي شاركت فيها بآلة العود والألحان التصويرية. هل كان للحنِ الشرقي- السوري، دوره في تألق موسيقاك؟.‏

•• نعم، لقد كان لي في هذه المسرحية، دور هام في إدخال الموسيقا والأشعار التي قرأتها باللغتين الروسية والعربية، أما ما يخص موسيقا المسرحية، فقد عملت على اختيار بعض المقطوعات السورية والعربية مثل «هالأسمر اللون» السورية، و»زوروني» المصرية لـ «سيد درويش». ولقد استعملت بعض المقطوعات التي ألفتها خصيصا لهذه المسرحية وكنت مستشاراً في اللباس والعادات والتقاليد والأمثال التي كان لها صدىً مثيراً وممتعاً عند الجمهور، وأفتخر بقول مخرجة العمل «تيريزا دوروفا»: «إن المسرحية تُوجت ببصمات «كمال» في أغلب مشاهدها».‏

• أوجعكَ حدّ البكاء، ما آلَ إليه حال وطننا. ماذا تقول كل دمعة انهمرت من عينيك، لمن خانه أو خذله، أو حتى ساهم بإغماد الموت في قلبه؟..‏

•• إن خلايا جسدي، تشكلت من هواء ومياه وتراب سورية. لذا، فإن كل خلية كانت تحمل النسر السوري، وكل من يحمل هذا الشعار يشعُّ على جبينه شرف الانتماء إلى الوطن العظيم. كانت كل دمعة تقول: «حماكِ الله يا سورية» وكانت تتساقط كي تنمو أملاً وثقةً بجيشنا البطل، وأقول لمن خان وخذل الوطن الحبيب، أنه فقد كل معاني الإنسانية وباع ضميره من أجل حفنة دولارات أو منصب منتظر.‏

• كان آخر ماقدمته على خشبة قصر المؤتمرات بالكرملين، أغنية تمجد فيها بطولات الجيش العربي السوري. كيف كان صدى هذه الأغنية لدى الحضور من الجماهير المغتربة والروسية؟.‏

•• عنوان هذه الأغنية «جبينك عالي يا سورية» وهي هدية للجيش الوطني السوري، وحين قدمتها في قصر المؤتمرات، كان الحضور أكثر من ستة آلاف مشاهد، حيث دخلت إلى المسرح مرتدياً اللباس العسكري السوري، وحاملاً على كتفي علم بلادي، وكانت مشاهد من معارك الحرب السورية تُعرض خلال الأغنيةـ وخلال أدائي للأغنية، قرأت وباللغة الروسية ترجمة رسالة الإله بعل التي وجدت على حجر سوري في أوغاريت منذ خمسة آلاف عام «حطم سيفك وتناول معولك واتبعني لنزرع السلام والمحبة في كبد الأرض»، لقد كان الحفل بعنوان «الموسيقا ضد الإرهاب». وقد أثنى القائمون على الحفل على مشاركتي هذه قائلين، إن أغنيتي هي الوحيدة المميزة التي حملت معنى الحفل والتي وقف لها جميع المشاهدين، ولا أطلب من أجل ذلك تكريماً لأنه واجبي الوطني، وأظن أنها تذاع أحياناً في الإذاعة السورية، وإن لم يكن كذلك، فأرجو أن تلاقي هذه الأغنية اهتماماً من الإعلام السوري.‏

• لاحظنا من خلال متابعتنا لأعمالك، إن أغلب الحوارات معك، كانت تُجرى عبر قنوات روسية.. ياتُرى، هل أوفى الإعلام الروسي أعمالك حقّها، وكيف تفاعلَ مع أنغامها شرقية الهوى والهوية؟.‏

•• أغتنم هذا السؤال لأشكر القنوات الروسية التي غطت أغلب فعالياتي وسواء الموسيقية أو المسرحية، وكان تفاعل الجمهور جيد جداً، وأنغام الموسيقا الشرقية تصل إليه بصدق وإحساس يملأه المجد لانتمائي إلى سورية. أغتنم الفرصة أيضاً، لأتوجه إلى الإعلام السوري الوطني كي يهتم أكثر بالفن ودوره الرائد في تربية النفس الإنسانية، ولاسيما خلال فترة الأزمات، وكم يؤلمني عدم حضور التلفزيون السوري في قصر المؤتمرات «الكرملين» حين أديت الأغنية.‏

• أخيراً. هل من جديد تُحضّر له، ويتعلق بما يمرُّ به الوطن السوري. وطنك؟.‏

•• أحضِّر أغنية جديدة عنوانها: «يا أرض السنابل يا وطني» من كلمات الشاعر «ابراهيم موسى» وألحاني، وسوف يُؤديها الفنان «عصمت رشيد» و»سولاي محمود» في الإذاعة السورية.‏

أحضِّر أيضاً، عملاً سيمفونياً بعنوان «حديث الريح» وآخر ضخماً بعنوان «حزنت دمشق» وهناك مراسلات بين السفارة السورية في موسكو ووزارة الثقافة السورية لتنفيذ هذا العمل، وأتمنى أن أُدعى رسمياً لتقديم أعمالي مع اثنين من الفنانين الروس الكبار في دار الأوبرا بدمشق، وأتوجه من خلالكم إلى المسؤولين في وطني للمساعدة في تحقيق رغبتي هذه.‏

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية