تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر


البهلوان

إضاءات
الخميس 8-11-2018
شهناز فاكوش

السيرك كنا نزوره صغاراً مع الأهل، وكباراً مع الأبناء كلما حلّ دمشق. مشاهده الأكثر إثارة.. ما كانت تتعلق به عيوننا؛ وتخفق معه قلوبنا، الفتاة أو الشاب لاعبا الرقص على الحبال..خشية سقوط أحدهما.وسقط الشاب رغم أنه مدرب بشكل جيد..

هل يمكن للسياسة أن تكون سيركاً في وقت ما ؟؟!!.. وهل يمكن أن يكون أحدهم لاعباً على حبال ٍافتراضية.. قد يكون لا.. لكن حتماً لها حبال يتمسك بها أحدهم عشقاً أو هوساً أو عقيدة، أو انتهازيةً.. فهي كالأرجوحة تأخذ متتبعيها يميناً وشمالاً‏

البهلوان يقفز من حبل إلى آخر، وبهلوان السياسة يغير مواقفه كما يغير ربطة عنقه. وما أكثر بهلوانات اليوم عرباً ومستعربين، إقليميين وغربيين. وهذا ما يضر بحياة الشعوب. فالتناقضات العميقة في تبديل المواقف يسيء ليس للدولة فقط وإنما للشعب الذي يصمت على هكذا سياسة، تحتل منه العقل والمستقبل وتأخذه للعنف (المقدس)‏

أكثر بهلوانات السياسة المؤثر في الأزمة السورية اليوم، أردوغان محترف الرقص على الحبال، حين أدرك أن طريقه للصلاة في مسجد دمشق الأموي مسدود ومنيع، أحرق زبانيته من النصرة أموي حلب، الذين مازال يدعمهم وينسبهم إليه بشكل سافر‏

لما وجد أن لا مقعد له على مائدة حل الأزمة السورية، زج بجيشه عابراً إلى داخل حدودها حالماً للتمدد فيها، مصرحاً أن لا أطماع له. مبرراً فعل غزوه؛ خشيته من الأكراد، وحلمهم بدولة حدودها في أذهانهم يقضم الكثير من الأرض التركية.‏

كان لابد من احتواء التركي في ضامني آستنة، وهو سعيد بأخذه لمحورٍ داعمٍ للدولة السورية.. لكنه لم ينس يوماً أنه أطلسي وجزء من الناتو. كم من الحبال يمكن للرجل الرقص عليها.. ترى مهارته ستحميه من الوقوع عنها كما وقع اللاعب المحترف.‏

أما تعامله مع الكيان الصهيوني فحبله على مايبدو أكثر متانة من الحبل مع روسيا.. خاصة بعد انكشاف مسرحيتي دافوس وقافلة غزة. وتعريته أمام السوريين ودعمه للإرهابيين فيها. وأطماعه غير المخفية في الأراضي السورية، وزحفه نحوها.‏

الإخواني النموذج الإسلامي؛ الذي تتبناه الولايات المتحدة الأمريكية، المختطِف للدين الحنيف، في محاولة لقيادة البلدان الإسلامية. والوجه الآخر لنشر ثقافة تبرير الدمار الذي أحدثته قواته الغازية على الأرض السورية.وتعزيز ثقافة الحقد عليها.‏

سورية التي فتحت أبوابها له يوماً، وبحسن النية ثمّن العرب موقفه تجاه شام شريف. إلا أن الإناء لابد أن ينضح بما فيه. والستار كان وقوفه لصالح القضية الفلسطينية.‏

استعراض المواقف يعيدنا إلى أكثر من دور مشين لعبه أردوغان تجاه الأزمة في سورية، أحدها كان عندما أراد إظهار حسن النية، وذهابه إلى الحليف الروسي ليؤكد ذلك إثر قرار الدول الضامنة في آستنة بتخفيف القتال في الشمال السوري.‏

كان ذلك في شباط 2017 حينها زج بآلاف المقاتلين والسلاح الثقيل عبر الحدود، لصالح المجاميع الإرهابية. تلك التي خرقت القرار مرات ومرات.فعلها بغير احترام لقرار هو أحد المصدقين عليه. مسفراً عن لعبة بهلوانية احترافية على حبال آستنة‏

كم من مرة تنصل الرجل من وعود قطعها أمام الملأ. أن لا أطماع له في الأرض السورية، بينما نجد قواته الغازية تستقر عليها، بل وتحاول التمدد إلى الداخل نحو قرى ادلب .. حلمه السلطاني حبل مازال يراوده اللعب عليه، لكنه سيهوي به يوماً.‏

يسوّق أردوغان أنه على خلاف مع الولايات المتحدة الأمريكية. وتحديداً مع ترامب الداعم لما يدعى بقوات قسد الديموقراطية، المتوضعة شرقي الفرات.. لأنه يخشى على بلاده من تمددهم.. أما هو فلا بأس أن يتمدد في غير أرضه معتدياً على أهلها.‏

رغم التباين الاستراتيجي في المواقف، يظهر للعيان الغزل التركي الأمريكي على الواجهة. بعد حادثة (الخاشقجي) لأن المصلحة تجمعهم في تقاسم الغنائم التي تكتنز بها خزائن السعودية. لتبرئة ولي العهد السعودي، وهو مطلب نتنياهو صديق الكل..‏

الآن أردوغان على المحك، فقرار سوتشي الذي ألزم به نفسه، أمام الحليف الروسي بسحب المجاميع الإرهابية من إدلب، فرصة له للعب دور هام تمناه طويلاً في حلّ الأزمة السورية.وفي ذات الوقت هو إشهار أنه داعم للإرهاب المتسلل من أرضه.‏

في السياسة لا أبواب مغلقة، لا بأس أن تبقى مواربة، على مبدأ لا ضرر ولا ضرار إلا أن التباين الذي يجرف تياره أي سياسي، في تذبذب الأهواء.. لابد يهوي به من الحبال التي يحاول اللعب عليها على أنه الأمهر، أمام ضبابية الرائي..وهم وسراب‏

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية