تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر


الفنان الراحل برهان كركوتلي... تشكيلي شعبي خارج التصنيفات المدرسية

ثقافة
الأحد 18-9-2011
أديب مخزوم

تبدو لوحات ورسومات الفنان الراحل برهان كركوتلي خارج كل التصنيفات المدرسية الحديثة، وذلك لأنه كان يستلهم من خلالها ماساد في الكتب الأدبية الشعبية وفن المنمنمات من رسومات تعالج مواضيع الحكاية للوصول إلى حالة توفيقية بين نبض التراث الشعبي ونبض الثورة في انطلاقتها مع الجماهير.

ويمكن اعتباره من الفنانين القلائل، الذين أعطوا اللوحة التشكيلية السورية والعربية مناخات شرقية مميزة وخاصة ومغايرة لتوجهات الفن الأوروبي الحديث والمعاصر، حيث ابتعد وبخلاف معظم الفنانين العرب المعاصرين، عن تقنيات الرسم باللمسة اللونية العفوية والتلقائية التي أطلقتها صالونات العواصم الفنية الأوروبية منذ نهاية الربع الثالث من القرن التاسع عشر،‏

مانحاً أشكاله المرسومة المزيد من الدراية المهنية والخبرة التقنية عبر تركيزه الدائم لإظهار تداخلات الخطوط التي لعبت دورها الحيوي في تحديد عناصر الأشكال والرموز الخارجية، التي استعاد من خلالها بعض جوانب معطيات التراث الفلكلوري والشعبي الفني والأدبي المهدد بخطر الاندثار والزوال.‏

وبرهان كركوتلي من أوائل الفنانين السوريين الذين ارتبطت تجربتهم منذ بداياتها بالقضية الفلسطينية(لوحات: الشهيد عز الدين القسام، القدس، لن ننساك ياشهيد، عائدون، الأسير، المرأة والطفل وغيرها) حيث كان ومنذ بداياته يركز لإظهار التكوين الذي تسكنه روح الحكاية الشعبية وروح الثورة.‏

مظهر رومانسي شعري‏

ولقد سعى في العديد من رسوماته لإظهار الدمج الحيوي بين التشكيل الفني المأساوي الرمزي وبين المظهر الرومانسي المقروء في الجمل التي كان يؤطر بها رسوماته ولوحاته(إلى حبيبتي ديتي التي أرتني أجمل ما في الحياة، أقدم لك في يوم عيد ميلادك وهو يوم ولادة حبنا، حبي الدائم وعواطفي ومشاعري، على نسيم الربيع رقص الشجر غيران يقلد رقصك ياحاملة النور في عز الليل، نور القمر والنجوم، غاروا من أنوارك وتوجوك أميرة الأنوار..) فاللوحة عنده على الرغم من أنها ارتبطت بشكوى الأرض في لحظات الاقتلاع والأبعاد، إلا أنها عكست خفة وشاعرية العبارة التي تعرف كيف تعزف على أوتار الجراح كأن الحلم الرومانسي المتداخل مع الرموز الراصدة لمعاناة التهجير هو الفسحة الوحيدة الباقية للانفلات من نسيج الأحزان في أزمنة الحروب والمجازر المتواصلة دون توقف أو انقطاع.‏

هكذا جمع في رسوماته بين معطيات الفن الشعبي وتأثيرات الفن المكسيكي وخفة العبارة والسخرية، كل ذلك بخطوط سوداء رفيعة، اهتمت بالتفاصيل الدقيقة وبالنمنمة الزخرفية التوريقية، وبطريقة مغايرة لأجواء الصياغة التشكيلية الموجودة في أعمال الفنانين المحدثين.‏

لذا فهو من القلائل الذين عارضوا التقنيات التصويرية الأوروبية الحديثة، حيث ارتبط ومنذ البداية بفن عقلاني موزون ومدروس ومنفذ بدقة وصبر وتأن وجلد طويل.‏

خطوط وزخارف حبرية‏

كل لوحة لدى برهان كركوتلي، هي حكاية تفيض طراوة وغرابة وشاعرية، هي جزء من أجواء معطيات أزمنة الحكواتية، حيث الانتقال من عجينة إلى أخرى، على الأقل في تركيزه لإظهار رموز القصص الشعبية وإبراز دلالاتها الأسطورة والبطولية، كما لو أنه كان يرسم الإحساس ذاته الذي عرفته أجواء المقاهي الشعبية القديمة الضائعة والمنسية.‏

هكذا تظهر رموز الأزمنة المنسية كرحلة حلم في فضاء لوحاته ورسوماته، رموز كثيرة تفسر معالم هذا الهاجس الذي رافق خطواته التشكيلية، المقروء في أكثر الأحيان في فضاءات الأسود والأبيض وإيقاعاتهما المرسومة و المكتوبة والمزخرفة بخطوط متشابكة ومتداخلة وبمادة الحبر الصيني باستثناء بعض اللوحات التي أدخل عليها إيقاعات لونية هادئة ومحددة، وفي إيماءات الرموز الإنسانية والكتابية والزخرفية وغيرها، أظهر كثافة بصرية لافتة.‏

وهذه ميزة تشعرنا بمدى قدرته على تشكيل اللوحة بخطوط مرنة متزايدة الحساسية، الشيء الذي أكد موهبته وخصوصيته وعالمه المميز، حيث تبقى له خصوصيته وعالمه وحيزه الخاص، وتبدو تشكيلاته في مراحله المختلفة وكأنها جزء من الواقع الشرقي بثقافته ومناخه وروحانيته، وعلى هذا كان يستعيد العناصر والأجواء التي تمتد إلى أصول تراثية وتاريخية.‏

ولقد اعترف في أحد حواراته أن أبا صبحي التيناوي هو أستاذه الكبير، وأنه كان في طفولته يتأمل ولساعات طويلة رسوماته التي كانت تباع في أسواق دمشق بأسعار متهاودة، ولقد حاول تطوير تجربة التيناوي، ضمن تقنية مغايرة ومرتبطة بالواقع الثوري، الذي كان صاعداً بقوة في الستينيات، وحين زار المكسيك واطلع على كنوزها الحضارية تعمقت تجربته على صعيد الفن الشعبي- السياسي.‏

حلم السفر والترحال‏

والمعروف أنه من مواليد دمشق عام 1932، استقر في ألمانيا منذ عام 1970 وتفاعل مع المحترفات الفنية الأوروبية في فترة دراسته للفن في أكاديمية سان فيرناندو في مدريد وفي المعهد العالي للفنون في برلين، وبدأ اسمه الفني يؤكد وجوده في الساحة الفنية من خلال عمله بالرسم التوضيحي في بعض الصحف العربية الصادرة في لبنان والمغرب، وعمله كفنان مستقل في ألمانيا إضافة إلى مشاركاته في العديد من المعارض من البلاد الأوروبية والعربية والأميركية، ولقد تنقل في عدة بلدان في جولات دراسية واطلاعية، فمن القاهرة إلى مدريد في إسبانيا، وكثف دراسته الأكاديمية في برلين، وعمل في الرسم الكاريكاتوري في الدار البيضاء، قبل وبعد مرحلة برلين، وانتقل إلى مدينة مانهايم في ألمانيا الغربية، ثم عاد إلى دمشق وعمل في التدريس الفني في كلية الفنون قبل أن يقوم برحلة اطلاعية إلى المكسيك وفنزويلا، حلم السفر لم يكن يفارق مخيلته، كان ينطلق من ألمانيا ثم يعود إليها في جولات مكوكية،، كانت بون هي محطته الأخيرة، حيث توفي فيها في نهاية عام 2003.‏

adibmakhzoum@hotmail.com

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية