تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر


تطورات المشهد السوري وآفاق التسوية السياسية المرتقبة

متابعات سياسية
الأربعاء 11-1-2017
عبد الحليم سعود

المتابع لسير الأحداث وتطورات الحرب على سورية يلحظ تشابها كبيرا بين ما انتهى إليه كل من العامين 2015 و2016 لجهة الظروف السياسية والعسكرية المستجدة، حيث تهيأت الساحةالإقليمية والدولية لتسوية سياسية تعكس موازين القوى العسكرية على الأرض،

والتي رجحت بصورة واضحة لجهة الدولة السورية بعد أشهر قليلة من الحضور العسكري الروسي الذي لعب دوراً أساسياً وبارزاً في كبح جماح الغطرسة الأميركية وإعادة بعض الجهات الإقليمية المتورطة بالإرهاب في المنطقة إلى حجمها الطبيعي.‏

فمع نهاية العام 2015 أقرّ مجلس الأمن الدولي بالإجماع القرارين 2253 و2254 اللذين هيئا المسرح لجولة جديدة من المفاوضات في مدينة جنيف السويسرية بين أطراف الصراع في سورية إلى جانب الدول المساندة لكل طرف برعاية الأمم المتحدة ليشهد شهر شباط من العام 2016 اتفاق هدنة شكل رغم خروقاته الكثيرة من قبل الجماعات المسلحة الموقعة عليه حجر زاوية لبدء مفاوضات توقفت فيما بعد بسبب إصرار الأطراف الداعمة للإرهاب على طرح شروط غير واقعية ونيل كل ما تطمح إليه بعيداً عن مستجدات الميدان.‏

في حين توّج العام 2016 باتفاق روسي تركي إيراني، أفضى إلى وقف شامل للعمليات العسكرية في سورية باركته الأمم المتحدة بإجماع أعضاء مجلس الأمن،بعد أن تم استثناء التنظيمات الإرهابية الأكثر تطرفاً كداعش وجبهة النصرة والفصائل المتحالفة، كمقدمة لبدء التفاوض في العاصمة الكازاخية الأستانة برعاية روسية مع غياب كامل للدور الأميركي وانحسار واضح للدور الأممي، وقد ترجم الاتفاق بصورة أساسية حجم وأهميةالانتصار الكبير والاستراتيجي الذي حققته سورية وحلفاؤهاعلى جبهة حلب الشرقية، وعكس حالة الفشل والهزيمةالتي أصيبت بها طموحات وأحلام المعسكر المعادي، إلى جانب حالة القطيعة المعلنة بين أنقرة وواشنطن بسبب عدد من الملفات ما دفع بأردوغان صاغرا للارتماء مؤقتا في الحضن الروسي والسعي للتقارب مع إيران والعراق مع ملامح استدارة غير موثوق بها تجاه الملف السوري بانتظار ما سيرشح عن الإدارة الأميركية الجديدة من مواقف وسياسات مستجدة.‏

وبالرغم من هشاشة وقف إطلاق النار المعلن عنه بسبب الخروقات المتكررة له من قبل الجماعات المسلحة الموقعة عليه بكفالة نظام أردوغان، والحاجة الماسة لفصل الجماعات الراغبة بالانخراط في مفاوضات جدية بالأستانة عن الجماعات المتطرفة الرافضة لأي تسوية، تبدو فرصة الحل السياسي في سورية ضئيلة رغم استعداد دمشق للتفاوض حول كل شيء باستثناء ما تحميه وتكفله نصوص الدستور، لأن الغياب الأميركي والأوروبي عن مفاوضات الأستانة المرتقبة واستثناء بعض الأطراف الداخلية كالمكون الكردي بسبب تحفظ أنقرة بشكل خاص، سيشجع بعض الجماعات الارهابيةالمدعومة من النظامين السعودي والقطري إلى محاولة إفشال الهدنة وزيادة توتير المشهد الميداني وصولاإلى تعكير المشهد السياسي، وقد ترجم ذلك مؤخرا بقيام الجماعات الارهابية في وادي بردى بقطع مياه عين الفيجة عن ستة ملايين مواطن في مدينة دمشق وما حولها وهي جريمة حرب بكل المقاييس، وقيام جماعات إرهابية أخرى بشن هجمات وأعمال إرهابية في مناطق متفرقة من الجغرافيا السورية، ما أعطى انطباعا حول ضآلة حجم ودور الجماعات الراغبة بالتفاوض والموقعة على الهدنة، أمام سطوة وهيمنة الجماعات المتطرفة،وكشف في مكان ما عن نيات تركية غير صادقة بالذهاب إلى مفاوضات الأستانة.‏

لكن في المجمل يمكن ملاحظة بعض التغيرات في الموقف الدولي تجاه الحرب في سورية عكست اقتناع العديد من الدول بضرورة محاربة الارهاب الذي تواجهه سورية وحلفاؤها، حيث بدأت وفود غربية ـ منها وفد برلماني فرنسي ووفود أخرى ـ بالتوافد إلى سورية للبحث في كيفية التعاون السياسي والأمني معها لمواجهة هذا الخطر الذي يهدد أمن العالم واستقراره، في حين خرجت تصريحات جديدة من الرئيس الأميركي المنتخب عكست رغبة لديه في التعاون الجاد مع روسيا ينتظر أن تتحول في الأشهر التي تلي تسلمه لمقاليد الحكم في البيت الأبيض إلى واقع يمكن البناء عليه والتعامل معه، مع صعوبة الوثوق بالدور الأميركي المركب من قضايا المنطقة، حيث تغلب سياسة الأطماع على سياسة المصالح، وتتبوأ إسرائيل المأزومة والساخطة على انتصارات محور المقاومة موقعاً مهماً في خارطة السياسات الأميركية تجاه المنطقة.‏

عموما لم يتبق سوى أيام قليلة على الموعد المضروب لمفاوضات الأستانة، وخلالها ستتكشف نيات كل طرف، ولكن تعدد وتناحر الجماعات المسلحة واختلاف مرجعياتها سيرخي بظلاله على إمكانية انطلاقها من عدمه، ولا نملك إلا أن نتفاءل مع كثير من الحذر واليقظة والانتباه لما ستسفر عنه تطورات الأيام القادمة.‏

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية