تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر


تشكيل.. تجربة الفنان عبد السلام عبد الله.. بخمسـين سؤالاً وجوابـاً.. وخمسـين لوحة تشكيلية

ثقافة
الأربعاء 11-1-2017
علي الراعي

تُشكل تجربة الفنان عبد السلام عبد الله حالة مُفارقة للمشهد التشكيلي السوري، وذلك بما أوقفه ليكون موضوعاً أثيراً لهذه التجربة في كل تحولاتها وانعطافاتها، وهو موضوع الزهور والطبيعة الحية بشكلٍ عام؛ حتى أمسى هذا الفنان،

وكأنه يتحدى الطبيعة، أو منافستها بإنتاج معادلات الجمال دون أن ينتابه التعب أو الملل، وفي كتاب «لوحات الفنان التشكيلي عبد السلام عبد الله - وشوشات شاعرية مضمخة بالانطباعية والواقعية» الصادر مؤخراً عن دار صبري يوسف في السويد، تضمن خمسين سؤالاً طرحها صاحب الدار نفسه على الفنان، وخمسين إجابة ومثلها لوحات تشكيلية، كانت أشبه بتلخيص أو إيجاز لهذه التجربة اللافتة التي نسمع صداها في مختلف دول العالم اليوم.‏

أرخبيلات الفرح‏

يرسم الفنّان عبد السَّلام عبد الله أزاهيره كأنّه في حالة ابتهالٍ، أو توق لعناق الكائنات الجّميلة، ويلملم كلّ هذا البهاء كي يدلقه بكلِّ جمالياته فوق بياض اللَّوحات ببهجة غامرة.‏

فكل مكونات لوحته يستمدَّها من جمال الزهور، وأريج الطّين، وخيرات الأرض والكائنات مَعْبَر نحو أرخبيلات الفرح والسَّلام والوئام مع كلِّ ما هو مبهج فوق رحاب آفاقه اللَّونيّة، ذلك أن هذا الفنان؛ يمتلك قدرات عميقة في مسارات تأويل البوح عبر ألوانه، فتبدو لوحاته كأنّها في حالة حوار عميق مع المتلقِّي، فيقدِّم مباشرة لعين المشاهد: الفرح، الحبّ، الجَّمال، الوئام، الموسيقا، أشهى موشور الأغاني، وتتراقص الألوان على إيقاع ابتهالات الطَّبيعة. تقنيّات لونيّة ومهارات في بناء تشكيل معالم لوحاته، فيتهاطل عالمه على بياضِ اللَّوحة مثل كرنفال لوني معبّق بالدّفء وشهقات الحنين، دامجاً ترميزاته واسقاطاته عبر أزاهيره ووروده.‏

يقول عبد الله: الورود والأشجار والزُّهور ليست مجرّد أشكال في لوحاتي وإنّما هي شخوصي وأناسيا. ويضيف الطَّبيعة صديقتي وأنا صيَّاد المشهد الَّذي أشعر أنّه يغريني تشكيليَّاً ويقنع عين المشاهد، ويشكِّل قصيدة متكاملة تؤسِّس لخيط ربط بينه وبين الطَّبيعة، وهو المشهد ذاته الَّذي يحرِّك أدواتي للعمل، لعلّني لا أبالغ إن قلت إنَّ الطَّبيعة وليمة لاتنتهي، وبانوراما مشهد لا يتكرَّر ولا يشبه غيره من المشاهد إلّا في كونه طبيعةً، وكلّ عمل أقدِّمه عن الطّبيعة هو حالة بحدِّ ذاته، فهو يطرح رؤى واقعيّة ومواقف بصريّة تتماهى مع جماليات الطَّبيعة والورود والإنسان، والَّتي ماهي في حقيقة الأمر، إلا إسقاط لواقع غير موجود، يقول: «أميل إلى الانطباعيّة والواقعيّة ودمج المدرستَين، فالانطباعيّة تمتاز بالتقاط الزَّمن والمكان والضَّوء وحالة الضَّوء وانعكاساته على العناصر الموجودة الَّتي تمتاز بالألوان الصَّريحة والنَّقيّة، فهي من أخطر مدارس الفنِّ التَّشكيلي الَّتي تتطلَّب وليمة لونيّة كبيرة لها تفاعلاتها الكيميائيّة والبصريّة الّتي تتفاعل وتؤثّر في بعضها البعض وذلك يتطلّب من الفنّان دراية عالية باللّون ومقدرة على تحقيق حواريّة وعلاقة لونيّة منسجمة، وذلك الأمر يمكن إسقاطه على النّاس والبشر، فنحن نختلف في الآراء والعقليّة والطِّباع ولكن في النّهاية يجب أن يكون هناك وفاق جميل مثل الورود».‏

غريب الأطوار‏

نجد عبر فضاءات لوحات الفنّان عبد السَّلام، ميلاً عميقاً إلى أنْسنة تجلِّيات اللَّون، فيبدع ألواناً شفيفة تنضحُ أملاً، يقول: يلعب بي شخص غريب الأطوار، يغمرني في لحظاتي، ثمَّ يقودني إلى مسالك وخيوط اللّعب على سطح أبيض، يغريني ويقودني بفرحٍ إلى مونولوج عفوي مع الألوان. من هنا تأتي أنسنة اللَّوحة من ورودي وأزاهيري من أهم غاياتي، لأنَّ الإنسان هو جوهر دائرة عملي وفلسفة الجَّدل، ورغم أنّه أكثر جدلاً في الكائنات لا أستطيع أن أكيله إلَّا بمعايير جميلة وأشبِّهه بالورود وأجعل الجَّمال في رأس هرمه، كل فاتنة من الورود لها لونها وشكلها وأريجها كما الإنسان. ويُلفت عبد الله الانتباه إنه ليس بالضّرورة أن يكونَ الفنّان فرحاً ليرسم الفرح، إنَّما الأمثل أن تسعد الآخرين وتحوِّل بؤسهم وانكساراتهم إلى سعادة، حتّى ولو كنتَ حزيناً..‏

في فضاءات لوحاتِه لمسات واقعيّة إنطباعيّة مع شطحات رمزيّة وتوشيحات تجريديّة في منعرجات البوح اللَّوني، عن ذلك يقول: نعم آكل بملعقة الانطباعيّة، وأغرف من رحاب الواقعيّة وفي غمار الإيقاع والتَّماهي في العمل والانصهار، اعتمد على اشراقة اللَّون ونورانيّة الشَّرق وضوء شمسه وزركشة اللَّون في ثوب الجَّزيرة السورية وتراثها، أفرش الألوان في حالة محاكاة بينهم وفي هيئة حواريّة بصريّة تناغميّة موسيقيّة وحالة التَّحاور والتَّجاور هي مرتع للمحاكاة والتَّضاد والتَّحبُّب وأحياناً التَّوافق والتَّناغم وخلق التَّوليفة والانسجام, ويردف: أترصَّد حالات وجه الطَّبيعة بكلِّ تجلِّياتها وبكلِّ ما فيها، ومن اشراقات الضَّوء وانعكاساتها على الأشياء وتبدُّلات الألوان مكاناً وزماناً، تزداد اشراقاً على محيَّاها وتكويناتها.‏

ورغم خطورة الرَّسم الانطباعي، فهو يولف بين الألوان من حيثيات كلّ لون في طبيعته، ويفرشه على سطح اللّوحة. ومن خلال التَّكامل اللَّوني والتَّحاور والتَّناسق والتَّناغم والتّضادّ في الدَّرجات والاشتقاقات والقيم والقيمة واعتبارات العجينة.. فقد أدرك أنَّ الطَّبيعة فيها من الانطباعيّة دون الحاجة أن نحوِّلها إلى انطباع، حيث فيها اللَّمسة العفويّة القويّة والدِّيناميكيّة والإيقاعيّة الموسيقيّة البصريّة والاشتقاقيّة اللَّونيّة اللامنتهية.‏

alraee67@gmail.com

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية