تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر


كيركجارد وعي الذات الفاعلة

ملحق ثقافي
2018/7/17
لا يشيع كثيراً – في ثقافتنا العربية – اسم كيركجارد، وقلما نجد دراسات حول حياته وفلسفته. إ ن هذه الندرة هي التي نقرأ بنهم أي كتاب لهذا الفيلسوف الكبير.

أصدرت دار نينوى للدراسات بدمشق،‏

كتاباً بعنوان «كيركجارد فيلسوف الإيمان في زمن العقل، موجز حياته وفلسفته وتأثيره» وهو لباتريك غاردنر وترجمة نصير فليح.‏

المعاصرة‏

من العنوان الأول، وهو تقديم للمترجم، يصرح المترجم بأن كيركجارد معاصر، ويقول: «عُرف كيركجارد أساساً رائداً للفكر الوجودي الذي ازدهر بشكل خاص في أ,اسط القرن الماضي، ولكن ما لا يعرفه كثيرون أن لفكر وفلسفة كيركجارد، أهمية معاصرة، خصوصاً وأن التطورات العلمية اللاحقة في القرن العشرين وقرننا الحالي، قوضت كثيراً من صورة «العقل» و»العلم»، كما فهمت في القرن التاسع عشر، وهو معين أفكار كيركجارد». ويتابع المترجم بأن له تأثيراً كبيراً على من أتوا بعده من أدباء ومفكرين من أمثال كامو وهيرمان هيسه وبورخيس، وفتغنشتاين وكافكا ودريدا وغيرهم.‏

حياته‏

هو سورين كيركجارد المولود في كوبنهاغن العاصمة الدانماركية، عام 1813، ووالده كان قد تحرر من الرق في شبابه، واستطاع أن يحصل ثروة لا بأس بها بجهوده الشخصية وحصوله على إرث جيد من أحد أعمامه.‏

نشر كتابه الأول عن هانز أندرسون وهو بعنوان «من أوراق إنسان لا يزال حياً» في 1840. ونال شهادة في اللاهوت. غادر في العام التالي إلى برلين لحضور فصل من محاضرات شيلنغ، الذي كان هيغلياً ثم انقلب على هيغل فيما بعد. تعاطف كيركجارد مع شيلنغ في البداية، ثم أصبح مغتاظاً من ادعاءاته ومن عقم عقائده الميتافيزيقية. ويقول عنه: «يتكلم شيلنغ بحماقة وبشكل لا يطاق تماماً».‏

شرع بسلسلة أعمال بدأها بكتاب عنونه «إما/ أو»، وهي سلسلة في الفلسفة والأدب والسيكولوجيا، نشرت عام 1843، وبعد ذلك نشر كتابه المعروف «تكرار» و»الخوف والارتجاف» وتبعهما بكتاب «شذرات فلسفية» و»مفهوم القلق» و»مراحل على طريق الحياة» و»حاشية ختامية غير علمية». وقد قدم كل هذه الأعمال بأسماء مستعارة. وإضافة إليها نشر ثمانية عشر خطاباً تنويرياً ظهرت تحت اسمع الصريح، واختلفت عن سابقاتها بأنها ذات صبغة دينية واضحة.‏

عوملت كتابات كيركجارد بالنقد الشديد والشخصي. ورغم ذلك استمر في دأبه التأليفي، فأصدر عام 1846 كتاب «مراجعة أدبية» وتبعه بكتاب «خطابات تهذيبية في حالات الحب المعنوية وأفعاله المتنوعة»، وثم «خطابات مسيحية». وفي عام 1949 كتب «المرض حتى الموت» وفي العام التالي «التدريب على المسيحية».‏

يقول غاردنر هنا بأن المعلقين على أعمال كيركجارد يميلون إلى الاتفاق على أنه لم يكن فيلسوفاً بأي معنى معتاد أو تقليدي للمصطلح. وبشكل عام هناك إقرار بوجود نقص جلي في الشبه بين مجمل أسلوب واتجاه تفكيره الخاص والمناهج النموذجية ومواضيع البحث الفلسفي التي تشكلت خلال القرنين من الزمان، تقريباً، اللذين سبقا كتاباته. في ضوء كل هذا، ليس من المفاجئ أن صور بعض النقاد كيركجارد كممثل للتمرد الرومانسي على المثل العليا للتنوير الأوروبي. بينما تم تصويره في عيون أخرى كـ «ضد – فيلسوف» أكثر من كونه فيلسوفاً، ليس لأنه بلالا تعاطف مع غايات البحث والتساؤل الخاليين من العاطفة فقط، بل لانكبابه النشيط على تهديم افتراضات من يتابعون هكذا بحوث.‏

إحدى الأفكار الرئيسة التي طرحها كيركجارد، أنه كيف علينا أن نواجه الأفكار الخاطئة؟ ويبدو للسؤال للوهلة الأولى سهلاً، أي باتباع كذا وكذا، أي بتحييد هذه الأفكار واستبدالها بأفكار صحيحة. ولكن السؤال: إذا اتبعنا هذا الأمر، ألا يمكن أن نمسي في خطر من فقدان ما كان حقاً صلب الموضوع؟ وفي الحقيقة، ليس بهذه البساطة يمكن إزاحة الإنسان بواسطة الحجاج الفكري فقط. ما كان مقبولاً على الأقل كما يقول كيركجارد: «يعنيه لي ولك وله. كلّ لأجل نفسه، أن نكون كائنات بشرية» أي يعرف الناس لأجل أنفسهم وعبر اللجوء إلى تجربتهم الباطنية الخاصة، على الآراء التي دفعتهم إلى تبني صيغة محددة من العيش والقيود التي تفرضها.‏

كان يرى أنه لا يجب إرغام شخص على قبول رأي أو قناعة أو معتقد بالأسلوب المتسلط لسلطة ذات امتياز، بل على العكس تماماً، كان يرى أنه يجب الاقتراب من الناس والمناورة عبر وضعهم في موقف يستطيعون فيه هم أنفسهم، كنتيجة للتأمل الباطني، الرجوع خطوة إلى الوراء للقيام باختيار جذري بين البقاء حيث هم أو إيثار تغيير أساسي. كان يقول: «لا يمكن تدمير وهم ما بصورة مباشرة، فقط عبر وسائل غير مباشرة يمكن إزالته جذرياً».‏

ضد هيغل‏

استخلص كيركجارد أن محاولة هيغل لإثبات المفهوم العالي الاحترام بأن العقل هو مصدر الحقيقة النهائية، أثارت صعوبات لا تذلل وكانت مكشوفة للاعتراضات الجذرية. ويقول غاردنر: «طموحه لاستيعاب الواقع في كل مجالاته المتنوعة، بما في ذلك تلك المعتمدة على الوعي الديني والأخلاقي، تم تحقيقه فقط بثمن الدمج المدمر للمقولات وإذابة القضايا، كان يجب إبقاؤها منعزلة، في بعضها البعض. هكذا تمت إذابة الوجود في الفكر، واختزال العرضي إلى الضروري، وإخضاع الفردي إلى الكلي».‏

إن تصور كيركجارد عن القلق لا يمكن إنكار تأثيره على فلاسفة القرن العشرين من أمثال سارتر وهيدغر. ويرى كيركجارد أن القلق بالمعنى الذي يثير اهتمامه، ينبغي ألا يخلط مع عواطف من نوع الخوف، والتي لها موضوع محدد وموجهة أنموذجياً إلى أشياء أو حوادث في العالم الخارجي. على النقيض، القلق مرتبط بـ «شيء ما هو لا شيء» وبوجود «التحقق الفعلي للحرية باعتبارها إمكان الإمكان». وهنا يدافع سارتر عن القلق عند تفسيره، ويعده جوهرياً «قلق أمام ذاتي» «وأنا لا أكون كذلك في حالة الخوف المرتبط بما سوف يحدث لي كضحية سلبية للظروف. بالأحرى، الحالة المقصودة هنا مشتقة من وعيي بنفسي كذات فاعلة. تستطيع أن تتخيل وتستجيب للإمكانات، وحيث لا شيء يرغمني موضوعياً على اختيار استجابة بدل أخرى. فهنا، أنا المحكم الوحيد، وما أفعله يعود إلي كلياً».‏

الكتاب: كيركجارد فيلسوف الإيمان في زمن العقل‏

الكاتب: باترك غاردنر‏

ترجمة: نصير فليح‏

الناشر: دار نينوى، دمشق‏

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية