تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر


التطرف الثقافي

معاً على الطريق
الأربعاء 30-5 -2018
أنيسة عبود

وكما أن هناك متطرفين في السياسة والتدين والعرق والانتماء.. هناك متطرفون في الثقافة والإبداع.. وهذا التطرف خطير كما لو أنه تطرف ديني.

ومن يتابع حركة الثقافة والمثقف والترجمة إضافة إلى الفنون البصرية والدرامية سيلاحظ أن هناك تياراً ثقافياً عالمياً جارفاً له اتجاه محدد ومدروس يهدف إلى غايات معينة، غير مسموح بتجاوزها أو بالتعالي عليها.. وإذا كنا نتهم إعلاماً ما بأنه إعلام رسمي موجهٌ. نستطيع أن نتهم الثقافة المعولمة بأنها ثقافة ُرسمية تنطق بما تريده القوى المؤثرة والفاعلة والمبرمجة على موجة معينة بحيث لا يمكن أن تسمع هذه النغمة الثقافية العالمية الجارفة إلا عبر توليف عقلك وأفكارك وثقافتك لتتلقى مثل هذه الثقافة (المعولمة) الهادفة.‏

فلا يظنن أحدٌ أن الثقافة وحركية الإبداع خارجةٌ على قوانين الدول التي تتحكم بالعالم سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وإعلامياً.‏

وبما أن الثقافة هي وعاءٌ للتاريخ وهي التي ترصد المتغيرات الاجتماعية والحضارية والاقتصادية للشعوب. وهي التي تنتج أسئلة الحاضر والمستقبل وبالتالي تلتصق بذاكرة المجتمعات وبعاداتها وتقاليدها وطرق عيشها. من هنا تأتي خطورة الثقافة وخاصة بعد الانتشار السريع لوسائل التواصل بين الشعوب. فما كان إلا أن انتشرت اللغة الانكليزية مثلاً وخاصة الأميركية.. ولكي تستطيع الدخول إلى مخبر الثقافات الجديد عليك أن تتقن الانكليزية وتهمش باقي اللغات وبالتالي تسمح لعقلك بالبرمجة الغربية على ترددات هذه البرمجة لترى بعين الغرب وتتذوق بحواسه وهكذا تنحرف البوصلة الثقافية الخاصة بك وبمجتمعك لأن المسيطر عسكرياً واقتصادياً يسيطر عليك ثقافياً ولن يمرر ثقافات معادية لفكره وقيمه.. ولن يقبل إلا بذوبان ثقافات الشعوب النامية والأقليات في بوتقته.. إذ لن يعترف بها في ظل أطماعه وتوسعاته. وهنا يجب القول إن المثقف الفرد لن يستطيع خلخلة هذه المنظومة العملاقة المسيطرة على العالم إذا لم تسانده حكومة البلد وقوانينها لمواجهة السيل الجارف من الأفكار الهدامة لخصوصية الهوية وللأصالة الثقافية.‏

صحيح أننا نعيش في عالم افتراضي، ولكن خلف هذا العالم عالمٌ حقيقي يموج ويهدر لاجتياح الثقافات التي تشكل خطراً عليه، فيحاول ابتلاعها أو تحويلها إلى مجرى آخر يصب في مصلحته أو يلغيها ويهمشها ولا يعترف بها كما لو أنها غير موجودة أصلاً.. ومن وسائل الغرب المسيطر هو الترويج والاحتفاء بالأعمال التي تكرس نهجه وتجاري أهدافه ومشاريعه ومطامحه..‏

وإذا كانت ثقافةُ الدول العظمى في هذا الزمن هي المقياس والمعيار فهذا لا يعني أبداً محو ثقافة الشعوب النامية وسحقها والتخلي عنها لتحل محلها ثقافةٌ جديدة. هي بمثابة هوية بديلة.‏

كثير من الكتاب والمثقفين والفنانين ينجرفون في سياق ثقافة العولمة ويفرحون باعتراف الآخر القوي بهم وهذا حقهم، شرط ألا يتطلب الاعتراف بهم تنازلات كثيرة ومحواً للخصوصية فمن المعروف اليوم أن من يكتب ممجداً المقاومة ضد إسرائيل لن يدخل كتابه في دائرة الاهتمام والاعتراف الغربي، ومن يلتصق بهويته أيضاً لن يقبله الغرب.‏

من هنا نجد ضياع المثقف العربي بين الركض باتجاه الغرب ليعترف بموهبته وبين الانتماء الأخلاقي والتاريخي. ولا بد هنا من ذكر الجوائز وما تفعله بنا من تحولات تحرف بوصلة القارئ والمبدع معاً. ومع كل الأسف نجد أن العالم الثالث ينخرط دون علم - ربما - في هذا السيل الجارف حيث لا يستطيع كشف موهبة مبدعيه إلا بعد أن يعترف به الغرب وينشر كتبه وأفكاره، وهنا تبدأ معايير جديدة للتعامل مع فكر هذا المبدع.‏

وإذا كان لا بد من وخزة فهي للمؤسسات الثقافية الرسمية التي تساعد وتساهم في تغييب مبدعيها على حساب حضور الآخر الذي لا يحمل وجعنا ولا قضايانا.. وأنا لا أعني ألا نطلع ولا نترجم ولا نقرأ للآخر.. ولكن أن نعمل ليقرأنا هذا الآخر ويقدر اختلافنا وفكرنا وهويتنا فيحترم التنوع والاختلاف ويعطينا الحق في الحفاظ على تراثنا الثقافي والدفاع عنه.‏

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية