تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر


« ضرورات.. لمجتمعات »

إضاءات
الجمعة 12-1-2018
لينـا كيــلاني

قبل أن نمنح مجتمعاتنا خططاً للمستقبل علينا أن نحصنها ضد غزو الحضارة الغربية الذي يتسلل إلينا من طرق، وقنوات لا يمكن حجبها في زمن الاتصالات، والمواصلات، فما عادت الأفلام فقط هي الخطر،

ولا المترجمات من الكتب بل هناك شبكة الاتصالات والمعلومات العنكبوتية المخيفة، والألعاب الإلكترونية، وغيرها، وغيرها. وهذا التحصين لا يأتي عن طريق القمع، والمنع، والزجر، وحتى القوانين.. بل عن طريق اقتناع هذه المجتمعات بأن لها حضارتها الخاصة، وقيمها الخاصة، وهي فقط التي تدافع عنها عندما تقف بوعي أمام تلك الغزوات الأجنبية وليس أولها الغزو الثقافي، والفكري، والمعرفي، ولا آخرها الاجتياحات. ويتضمن ذلك، أي هذا السد المانع كل ما يكوّن الانتماء بما فيه اللغة العربية نفسها.‏

وللوصول إلى هذه الغايات لابد من خطوات حقيقية تكشف الوضع القائم، وتطرح رؤى مستقبلية ضمن خطوات لابد أن تأخذ حيزها في التنفيذ، والتحقيق انبثاقاً من الشباب الواعي لواقعه على وجه الخصوص، والطامح لمستقبل أفضل، وصولاً الى كل شرائح هذه المجتمعات في بلدانها.‏

فالمجتمعات العربية التي تسعى الى ترسيخ قيم العدالة والنماء، كما تتطلع في الوقت ذاته الى النهوض علماً، وثقافة، وتطوراً على المستويات جميعاً الفكرية منها، والسياسية، والمدنية وكل ما يتعلق بحياة الفرد العربي، إنما هي بحاجة الى رؤية شاملة تستوعب الخلل القائم بكل تشعباته، وصولاً الى الحلول للتغلب على مشكلات الفرد العربي بدءاً من النظم القائمة، وصولاً إلى ما يستجد على الساحة العربية.‏

وفي هذه الحال يكون على الجهات، أو الهيئات التجديدية، أو التغييرية أن تتوجه الى الكتّاب، والمفكرين، للاستفادة من دورهم الفاعل والرائد في مجتمعاتهم، والذي هو في المطلق ينبع عادة من ضمير الأمة، وبحيث لا ينحصر دورها في الشعارات طالما أن لها امتداد تنفيذي سلطوي.‏

وبالتالي فإن إعادة بناء الصورة الذهنية الجديدة عن العالم العربي محلياً، وعالمياً تستدعي ابتعاد الإعلام العربي ما أمكن عن السلبي، لصالح إظهار الإيجابي تشجيعاً للأجيال أولاً، ولعدم إحباط الجماهير ثانياً، ولإعطاء صورة صحيحة لمن هم لا يزالون في أعمار صغيرة لكي ينشؤوا على القيم، دون أن تختلط الصورة أمامهم بين السلبي والإيجابي كما هو الحال الآن في إعلامنا الذي يظهر السلب على حساب الإيجاب، لدرجة استجابت معها السينما، كما استجاب الأدب، وخاصة في الرواية العربية التي أصبحت مؤخراً تستند وبشكل فج على التناقضات في المجتمع العربي، وتشويه صورته ولو وصلت الى حد خرق المحرمات في اللغة، أو الصورة، أو الفكر وصولاً الى الدين، وكأن الغرب لا يقتحمنا فقط، بل إنه يستلبنا ويسيطر على بعض كتابنا، ومثقفينا.‏

وإذا كان علينا اللحاق بتطور البشرية فهذا يعني اللحاق بركب العلم، وهو الأساس في التطور، والعلم الذي يتجلى من خلالنا كشعوب عربية هو الذي يجب أن يعبّر عنا دون أن نعتبر أن كل ما يصدر عن الغرب هو النموذجي، وهو الأصلح.‏

إن خطورة تفشي الفساد، والذي يحول دون تحقيق كل هذه الطموحات، تستدعي محاربة هذا الفساد. ولعل أبرز مسبباته في الوطن العربي تكمن في تناقضات المجتمعات العربية من فقر وغنى، وجهل وعلم، وأناس وجدوا أنفسهم فجأة في أوضاع غير اعتيادية عند أمثالهم نتيجة ذلك الفساد.‏

وهكذا يتكون المعطى الحضاري من مجموع الثقافة، واللغة، والمفاهيم الدينية القيمية، والانسجام مع البيئة الزمانية والمكانية، والمجموعة البشرية التي تعيش ضمن هذه البيئة، وغيرها. ومن هنا يأتي التأكيد على العمل الجاد لإغناء التطور ثقافياً، ولغوياً، وتنظيماتٍ اجتماعية مدروسة بدقة.‏

وأخيراً تأتي الجهود المدروسة التي لابد منها كخطوة إيجابية في اتجاه كل ما سبق. فماذا لو أنه يضاف اليها إقامة مؤتمرات للشباب من خلال تنظيمات شبابية في كل قطر، والإفادة من العناصر المشتركة بين الشباب العربي كله كالتاريخ، واللغة، والتراث، والقيم العربية، وغير ذلك مما لم نستفد منه حتى الآن.‏

ومادامت القيم مرتبطة بتكوين المجتمعات التي تفرزها بناء على احتياجاتها فإننا في ضوء معطيات العصر أحوج ما نكون لتغيير بعض المفاهيم عند الشباب، والتركيز على دورهم وما يجب أن يكون عليه من إيجابية حتى نعبر الى أفق جديد أحوج ما نكون اليه في عالم متغير يهدر كسيل جارف، ولا ينتظر عندنا بقدر ما يعنيه استمرار تدفقه، وجريانه.‏

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية