تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر


حينما يدخل الصراع في المسافة ما بين المباح والمستباح

دراسات
الأربعاء 12-9-2018
بقلم د: أحمد الحاج علي

تبدو كل عناوين واستطالات النشاط السياسي حول الأزمة السورية وكأنها تقع في المسافة الضيقة ما بين المباح والمستباح، وفي كثير من التطبيقات للمواقف نرى هذه الإشكالية

التي يضع فيها هذا الطرف أو ذاك قدمه في المباح وقدمه الآخر في المستباح، أي أن هناك مقدمات ثابتة وإشكالات مستمرة تؤكد بأن الناتج العام في الأزمة السورية يراد به أن ينصرف باتجاهات ثلاثة:‏

1-في الاتجاه الأساسي وعبر المسافة التي تتحول إلى فجوة ما بين التصريحات المعلنة والالتزامات المبنية عليها، هذه الفجوة هي التي يتم التلاعب فيها وعليها، والمحصلة العملية التطبيقية سوف تأتي من خلال إدمان الأزمة في سورية، وهذا ما تريده أصلاً القوى المعادية للوطن السوري، بحيث يبقى الوجود الإرهابي ومعه الوجود الأميركي والتركي والأوروبي قائماً بكل تشكيلاته، وفي منحى تأكيد العلاقة العضوية ما بين الإرهاب المتبقي والمواقف الغربية من هذا الإرهاب المتبقي، إن مناخاً كهذا يعتمد إدانة الإرهاب نظرياً ودعمه إلى درجة التبني عملياً، إنما هو الذي سوف يستقطب عناصر الموقف الغربي بما يؤكد استمرار المعاناة في الداخل الوطني السوري، واستمرار الوجود الإرهابي ومن يدعمه في الداخل الوطني السوري أيضاً.‏

2-في الاتجاه الثاني نتابع المواقف على الأرض والتصريحات المنمقة في الاجتماعات، إنما تؤكد حالة الاسترخاء الدولي وتوصيل رسالة إلى الداخل السوري بأن هذا هو الممكن وهذا هو المتاح، وبالمحصلة لابد للعمل الوطني السوري أن يألف حدود الواقع والقوى المتشبثة به والعابثة بمكوناته، وهذا الاتجاه يقوم أساساً على مسافة واسعة تشتمل على التهديد العسكري المباشر وعلى دفع الكيان الصهيوني للبدء بهذا التهديد والتمهيد خلال فترة قصيرة للعدوان العسكري الغربي، ولاسيما الثلاثي الأميركي الفرنسي البريطاني، وفي أصول هذه المسافة وتجاويفها يتم اقتطاع الزمن من مجراه والذهاب بصورة معمقة نحو الترسيخ اللوجستي والاجتماعي لحالة الاسترخاء هذه، بما يعني تكبيل الجسد الوطني السوري بقيد من الحرير في جانب وبقيد من الحديد في جانب آخر، وهذا ما يمكن أن تستوعبه نظرية الأمر الواقع، وفي تفاصيلها الوظائفية تجري عملية تزييف للمشروعيات والقيم الوطنية عبر برامج إعلامية وسياسية كثيفة كما هو حاصل الآن، وهي التي تؤكد بأن الوضع الراهن أفضل من التعقيدات القائمة والقادمة، وأفضل بكثير من الاستمرار في استنزاف الدولة السورية واستنزاف من معها من الأشقاء والحلفاء، ولتأكيد هذا النمط الخبيث نجد أن الغرب بزعامة أميركا وتركيا أردوغان وأنظمة أخرى كلها تجهد الآن لصياغة مضمون الرسالة وعناوينها بأنهم جميعاً مع الإرهاب تحت مظلة حالة الأمر الواقع.‏

3-وفي الاتجاه الثالث يراد للأزمة بكاملها أن تكتسب إطارين مزورين، يؤكدان بأن الطريق مسدود أمام نمو الحالة الوطنية السورية، سواء في المعارك وميادينها المتبقية أم في إطار الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي أم في إطار البدء بإعادة الإعمار بجوانبه المختلفة، إنهم يستثمرون هذا البند لكي يتحول إلى مادة مقلقة ومحبطة وغير قابلة للتطبيق، مادام السوريون مازالوا يحتفظون بثوابتهم ويرفضون الالتزام بحالة الأمر الواقع، وفي منحى آخر نتابع هذا النهج المحموم بالتركيز على العوامل المضافة والتي تتجلى أكثر ما يكون في التهم والتلفيقات والفبركات السياسية والعسكرية، ونتابع بصورة قاسية الجهد الأميركي والغربي عموماً بتسويق هذه المادة على أنها من منتجات الأمم المتحدة وليس مجرد وجهة نظر أميركية أو فرنسية أو بريطانية.‏

وهذا ما حاولوا تمريره في جلسة مجلس الأمن الأخيرة، ولا يجدي في كبح جماحهم تناقض الوقائع أو التصدي الروسي لهم في مجلس الأمن أو في كشف الجوانب المستورة للفبركات، ولاسيما في المستودعات التي يستولي عليها الجيش العربي السوري وهي مفعمة بهذه المواد الغنية لإطلاق التهمة على سورية بأنها سوف تستخدم السلاح الكيماوي ضد المدنيين بالدرجة الأولى وضد خصومهم الإرهابيين بالدرجة الثانية، وهنا نجد المفارقة الكبرى، إذ إن القوى المؤسسة والداعمة للارهاب تصدر حكمها أولاً، وبعد ذلك تنفذ العدوان ثم تلجأ في المحيط إلى البحث عن مسوغات من النوع الذي لا يصلح للتداول سواء في منطق التداول العملي أم في منطق التداول السياسي.‏

إننا بهذا المعنى أمام ثابت غربي إرهابي أساسه وجوهره أنه لا بد من عمل عسكري ضد سورية، سواء أكان هذا العمل بالضربات المتنوعة أم كان عبر تهور عسكري شامل يجمع ما بين الضربات العسكرية الصاروخية والتدخل بالشأن السوري، وطرح الفكرة السياسية التي عفا عليها الزمن، والتي تؤكد بأن الأصل هو تدمير الوطن السوري وتغيير النظام السياسي السوري.‏

وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار مجمل عناصر التناقض أو التقاطع في السياسة الإقليمية أو الدولية المحيطة بالأزمة السورية نجد أن اللعبة بجوهرها هي محاولة التعبير عن بنية عسكرية عدوانية في العمق، مع محاولة التعبير عن هذه البنية بمنطق سياسي يسمح بتسلل المصطلحات والمفردات الباهتة على أنها مواقف، وفي ذات الوقت تعطي الفرصة كاملة لتغذية الإرهاب وإعادة تشكيل قواه ولخلق انطباعات بأن سورية العربية تتدرج نحو انفرادها وعزلتها، والدليل على ذلك هو ما يجري على أرض الواقع من عدوانات إسرائيلية متقطعة، إننا نعود للأصل في فكرة هذه المادة السياسية التي تؤكد بأن ما يجري هو الخلط المنهجي والمتعمد ما بين المباح وما بين المستباح.‏

نعم إن الوطن السوري مباح للتضامن الإنساني ولإنتاج السلام ولحوار الحضارات، ولأنه كذلك فهو لا يمكن أن يكون مستباحاً لمشاريع العدوان والدهاء البريطاني المفعم بخبرة الحقد والشر.‏

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية