تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر


باب الخلاص

معاً على الطريق
الأربعاء 12-9-2018
أنيسة عبود

قلت للسائق وهو يقترب من دمشق: رجاء لا تدخل دمشق من جهة دوما.. حبذا لو تدخل من مدخل التل.

نظر إليّ السائق ولم يعلق ففهمت من نظرته أنه غير ملتزم برأيي، غير أني بعد عدة كيلو مترات رحت أؤكد عليه أن يحترم رغبتي مدعية أني على موعد في التلفزيون والطريق من جهة التل أقرب، كان السائق مسرعاً وكنت أراقب السيارات التي تتجه إلى أم الدنيا والتاريخ (دمشق) التي كتب عنها كبار الكتاب من البديري الحلاق إلى نزار قباني ومحمود درويش وأدونيس والروائي هزوان الوز.. والجميع كتب بعين المحب.. عين العاشق لهذه المدينة الحبيبة الخالدة.. ومع أن الحرب خلخلت الصورة.. وغيرت الجهات فبرز بعض ضيقي الأفق وناكري العشرة والانتماء فكتبوا بعداء وحقد عن دمشق التي لا تغرب شمس حبها في قلبي ولا تميل أشجار حورها إلا باتجاه بردى وعين الفيجة وغوطتها وقاسيونها.‏

حين اقتربنا من مفرق التل انحرف السائق واتجه كما رغبت، كنت مشغولة بمراقبة الطريق وفرحت لأن الحواجز صارت قليلة وهذا مؤشر على أن البلد تتعافى وتتجه نحو الأمان والبناء، كانت فيروز تغني قصيدة شام المجد للراحل سعيد عقل.. وكان صوت المذيع يترنم بجمل منتقاة عن دمشق تترافق مع أغنيات عن بطولات الجيش وعن تضحياتهم.. وعندما تجاوزنا المسافة بين التل ودمر خفف السائق السرعة وقال لي بهدوء..(هل أعرف لماذا أردت تغيير الطريق القديم؟ ثم تابع لقد عاد كما كان وعادت السيارات تزدحم عليه وأظن أنه الأقرب بالنسبة للقادمين.‏

ابتسمت وأخذت رشفة من قهوتي الباردة التي تعلمت أن أحملها أينما ذهبت وقلت له (أعتقد أن الطريق هنا أفضل للدخول إلى ساحة الأمويين؟)‏

رد بتأكيد وانزعاج..لا..أبداً.‏

ابتسمت وقررت ألا أدخل في مماحكة مع السائق.. فهو يملك الحق في اختيار الطريق الذي يناسبه وأنا لي الحق أن أخفي مشاعري عن الآخر الذي لا يدرك كنه المسألة.. ولولا أني قدرت أن الرجل لن يفهمني لبكيت طيلة الطريق. فأنا في كل زيارة إلى دمشق أراقب الطريق وأسترجع قصص القنص والخطف والخراب وخاصة عندما تبرز من وراء المنحدرات والمنحنيات بعض الأماكن المدمرة تماماً فأشعر أني أسمع أصوات الذين تحت الأنقاض وأصوات المخطوفين والمقتولين وأن أرواح سكان عدرا العمالية تحوم في أرجاء المنطقة وتلّوّح للعابرين كي يقفوا ويلقوا السلام على عمال الفرن وعلى الأطفال والنساء المخطوفات والمسبيات.. فكيف أدخل دمشق من جهة دوما وحرستا وأشاهد الخراب والدمار ولا أتخيل معبر هيئة البحوث الزراعية ومخابرها وحدائقها والزملاء الذين قتلوا والجنود الذين ذبحوا على بابها؟ كيف أعبر الشركات والمؤسسات العامة والخاصة ولا أسمع أنين الشباب والنساء في سجن التوبة الذي اخترعوه ولا أشم رائحة دم المقهورين والجائعين.. قلبي لا يحتمل المنظر حتى الآن.. صحيح أن الطرقات تعبدت.. ومحافظة ريف دمشق لم تقصر ولم تتأخر.. وحتى وزارة التربية لم توفر جهداً لاسترجاع المدارس وترميمها واسترجاع الكادر التدريسي والطلابي وكل ما يساعد على عودة دوما وحرستا إلى حضن الوطن بكل معنى الكلمة.. لكن لا بد من الاعتراف أن بعض الصور لا تزال هاربة مني.. واقفة على طريقي.. صورة أم مسبية وصورة رجال في أقفاص حديدية وأطفال في الجنازير.. صور كثيرة أحاول أن أطويها أو أخفيها في مغلف النسيان.. إلا أنها تخرج من المغلف وتنفرط أمامي.. وتتجه نحو ذاكرتي.. فلا أعرف كيف الخلاص منها ولا كيف الصمت أمامها. وحين أراد السائق أن يعبر الطريق القديم الجديد.. شعرت برهبة الصورة وانتابتني رجفة الاستعادة لأحداث وقعت هنا.. هنا في دوما.. في حرستا.. على الطريق.. وفي كل الزوايا بقايا من بقايا الحرب والغدر والظلم بحيث ما زالت روحي لا تحتمل. ولا طاقة لي على تجاوز الصورة المحفورة في القلب والذهن.. لذلك.. أرجوك أيها السائق.. غير الطريق.. ربما تنمحي بعض التفاصيل المؤلمة من الصورة، غير أن انمحاء التفاصيل لا يليق بوطن صامد ولا يليق بأمة صبورة، مضحية.. فلتبق الصورة كما هي لأني سأظل أنفض عنها غبار النسيان وأتألم حتى يطهرنا الألم ويفتح أمامنا باب الخلاص نحو السلام.‏

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية