تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
2017/1/10 العدد:847
الثورة:     الرئيس الأسد يصدر مرسوماً يقضي بإحداث مجمع قضائي في منطقة أشرفية صحنايا بريف دمشق        الثورة:     الجيش يتصدى لإرهابيي داعش بمدخل مدينة دير الزور وطريق المطار ويقتل العشرات بينهم سعوديون وتونسيون        الثورة:     لجنة الإعلام في مجلس الشعب تناقش الرؤية الجديدة للإعلام.. عباس: تقييم مكونات المؤسسات الإعلامية.. ترجمان: نحو إعلام وطني منتج        الثورة:     لتعزيز العلاقات الاقتصادية ومتابعة الاتفاقات المبرمة.. المهندس خميس يبدأ زيارة رسمية إلى إيران على رأس وفد حكومي        الثورة:     حكم تاريخي لـ «الإدارية العليا» في القاهرة: «تيران وصنافير» مصرية وليست سعودية        الثورة:     وزير الصحة: تقديم الخدمة الطبية ذات الجودة والنوعية لجميع المرضى        الثورة:     بوصلتها .. خفض الأسعار وتقديم الدعم.. الغربي لـ « الثورة »: تخفيض قريب على الألبان والأجبان بنسبة 20%        الثورة:     تسويق عشرة آلاف طن من الحمضيات في اللاذقية        
طباعةحفظ


حوارات العود والأوركسترا لغة جمالية وحداثية مغايرة

ملحق ثقافي
2017/1/10
علي الأحمد

يقول الفيلسوف الكندي: “إن آلة العود ليس فيها شيء إلا وفيه علة فلسفية، إما هندسية وإما عددية، وإما نجومية”.قلة من الموسيقيين العرب، التمسوا مكامن الجمال المخبوء في أسرار هذه الآلة المهمة، التي تعتبر ركيزة أساسية في الكتابة والتلحين في موسيقانا العربية، وباقي موسيقات الشرق.

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

وهذا يعني فيما يعنيه، أن هناك فرقاَ كبيراً بين أن تكون عازفاً جيداً على هذه الآلة، وبين أن تكون مبدعاً فيها، تمتلك ناصيتها بكل اقتدار وحرفية، وتتوسل قيمها الصوتية والتعبيرية لكتابة جديدة تقفز عن إرثها الطربي العتيد، وتعيد لها حضورها ومكانتها التي تستحق. هذا يفسر أيضاً، وإلى حد كبير كيف بقيت هذه الآلة رهينة وحبيسة للبُعد الطربي العتيد وطقوسه المغلقة, تجتر آهات وعذابات المغني وبطانته حتى يأذن شهريار بالاستئذان والانصراف.‏‏

نعم لقد تم تغييب دور هذه الآلة الساحرة طويلاً،وطويلاً جداً، إلى أن قُيّض لها من حسن الحظ، مبدعون حقيقيون، اجترحوا لغة غير مسبوقة في العزف والأداء، والتقنية المتقدمة، في نقلة نوعية من متاهات الطرب إلى مناخات التعبير والتصوير الوجداني، من التقاسيم البدائية إلى رحاب الارتجال والأداء الحر من خزين الذاكرة، وبالتأكيد من تلك الأماكن المغلقة المنغلقة، إلى مسرح الحياة المشرقة، النابضة بلغة الموسيقى الحقة، وتوقها الدائم إلى الفرح والجمال.‏‏

ولم يكن هؤلاء وحدهم في هذا المسار والمسير الإبداعي العظيم، فقد عرفت العديد من البلدان الأوربية إبان عصر النهضة، سحر وجمال هذه الآلة، وكانت البداية كما هو معلوم مع الموسيقار الثائر “زرياب” الذي تمرد على تلك اللغة القديمة في العزف، التي لقنه إياها أستاذه في المشرق موسيقار العصر العباسي “إسحاق الموصلي”، كما تمرد أيضاً على طرق الصناعة القديمة التي وجدها قاصرة لا ترضي طموحه وجموح خياله التجديدي.‏‏

نراه هنا يغير في مقاييس صناعة هده الآلة، وهو العالم المتبحر فيها، في حسابات رياضية معقدة أفضت إلى مدى صوتي أعمق والى اجتراح “رنينية” ساحرة توجها بزيادة وتر خامس بغية زيادة مداها التعبيري، لتصبح قادرة على أداء أدق وأصعب النغمات، ليضع لها “ميتوداً” متقدماً، نهل منه طلابه الكثر في قرطبة وبلاد الأندلس، ومنهم كما تؤكد المصادر الغربية أبناء ملوك وأمراء من البلاد الأوروبية التي تعرفت بدورها على هذه الآلة الساحرة، من خلال الفتوحات الإسلامية، وارتحال الآلات الموسيقية العربية إلى تلك البلاد القصية، حيث كتب لها أعلام كبار في الموسيقى الغربية مؤلفات هامة كما نرى مع مؤلفات المشاهير فيها: “أنتونيو فيفالدي 1714 وهيندل 1759 ويوهان سباستيان باخ 1750 وفرانز هايدن 1809”، وغيرهم من مؤلفين رأوا بهذه الآلة إمكانات صوتية وتعبيرية مذهلة، لتخصيب موسيقاهم بألوان وإشراقات موسيقية مغايرة.‏‏

كما تم تطوير صناعة هذه الآلة لتصبح أقرب إلى الكمال الموسيقي، خاصة مع زيادة عدد أوتارها وصلت إلى سبعة عشر وتراً، بغية عزف كما أسلفنا أعقد النغمات خاصة في “الأوكتافات” العالية، إضافة إلى مواكبة التعدد الصوتي الذي حصل في تطور الموسيقى الأوروبية آنذاك. وقد ساهم العود في عزف البوليفونية الغنائية والمتتابعات “suits “ والأغاني الشعبية وقوالب الموسيقى الآلية.‏‏

تذكر المصادر هنا أنه تعددت أحجام وأنواع هذه الآلة لأداء طبقات صوتية أكبر اتساعاً، كما نرى على سبيل المثال مع “عود الكونسرت” tiorba . لتبقى صور ونماذج هذه الآلة في المتاحف والكنائس والمكتبات والمخطوطات وغيرها تعطينا فكرة واضحة عن دور ومكانة آلة العود في ارتقاء وتجميل موسيقات الشعوب في الغرب والمشرق على حد سواء.‏‏

من هذا الإرث الناجز، كان على الموسيقي العربي قراءة هذه المسارات الإبداعية لآلة مهمة، شهدت نتاجات موسيقية قيمة، على مدار أزمنتها الإبداعية، وكان عليه بالتالي الخروج النهائي من سلطة وسلطنة الطرب والتطريب التي لازمت هذه الآلة مئات السنين لأسباب معلومة. وهذا ليس بالأمر الهيّن، خاصة مع ذاكرة جمعية وذائقة عربية اعتادت وتخدرت في مخدع الطرب الحسي العتيد. وكانت الخطوة الأهم هنا في كيفية إقناع الأذن العربية وتهيئتها لاستقبال موسيقى بديلة للعود، تفصح عن إمكانات عظيمة لآلة لم تكتشف بالشكل الأمثل في عصرنا الحديث إلا مع مدرسة بغداد في العود التي أسسها الشريف “محي الدين حيدر” عبر منهاجها المتقدم الذي جمع التقنية المشرقية خاصة التركية منها مع الروح والمزاج التلحيني العربي. هذه اللغة البديلة تحتاج بالتأكيد إلى خبرة سمعية مديدة، وذائقة مدربة مطواعة، وثقافة موسيقية واسعة تستقي مرجعيتها من قراءات نقدية معرفية معمقة.‏‏

وهكذا كانت اولى المحاولات الجريئة بكل المقاييس في الحوار المنشود ما بين العود والأوركسترا مع مؤلف الموسيقار المصري “فؤاد الظاهري” في كتابة “بدئية” لاستخدام العود في الأوركسترا أداه العازف البارع “جورج ميشيل 1915-1996، فيما كتب لاحقاً الباحث الدكتور “يوسف شوقي” كونشيرتو للعود، سجله للإذاعة المصرية، لتتوالى المحاولات لنقل هذه الآلة إلى عوالم ومناخات حداثية، مع المؤلف الموسيقي “شريف محي الدين” في مؤلفه المهم “كونشيرتو جروسو للعود”، قدمه على مسرح دار الأوبرا المصرية عام 1996 ومنها إلى العديد من البلدان الأوروبية، بمشاركة عازف العود الدكتور “ممدوح الجبالي”، الذي قام أيضاً بعزف موسيقى “باسيكاليا للعود” تأليف “راجح داود” بداية على مسرح دار الأوبرا المصرية كما في افتتاح مكتبة الاسكندرية ومنها إلى فرنسا وألمانيا، ومن تأليف المايسترو “سيد عوض” قدمت “فانتازيا للعود” على مسرح دار الأوبرا عام 1997 وساهم الموسيقار المبدع “عمار الشريعي” بدوره في كتابة “كونشيرتو العود” بمصاحبة الفرقة السيمفونية العمانية في محاولة جريئة ومهمة، لكتابة موسيقى عربية معاصرة بالصيغ الغربية الكلاسيكية المعهودة، وبالتالي البحث عن لغة إبداعية جديدة تعبر بشكل أو بآخر، عن الثورات الموسيقية العظيمة التي خلقت حقائق موسيقية غير مسبوقة كان على الموسيقي العربي أن يتكيف معها ويستفيد من نتائجها المبهرة وتأثيراتها العظيمة على القيم الذوقية والجمالية.‏‏

ومن هنا تبقى تجربة المؤلف الموسيقي الكبير “عطية شرارة”برأينا المتواضع من أهم المحاولات التي نقلت آلة العود إلى مكانات تعبيرية باذخة بجمالها الموسيقي فجاء “كونشيرتو العود والأوركسترا” - 1983 -1984 كمحاولة جادة لاستغلال إمكانيات علوم التأليف الموسيقي الغربية وتطويعها لإثراء النسيج اللحني العربي عبر إبراز إمكانات آلة العود الدفينة التي استنطقها هذا المبدع كتابة وعزفها إبداعاً الدكتور “حسين صابر”، ومن خلالها تم ترسيخ آلة العود كآلة عربية قادرة على مرافقة الأوركسترا ومحاورتها حضارياً وثقافياً، بما يؤكد على أن هذه الآلة لم تكن آلة للطرب فحسب، بل كانت أيضاً بيد الحكماء والفلاسفة وعباقرة العزف والتأليف بمثابة روح جديدة في العزف واستنطاق سرها المكنون الذي لم يقدر كما أسلفنا إلا قلة نادرة من فرسانها المبدعين من أن يصلوا إلى كنهه وجوهره النبيل.‏‏

ولعل أهمية هذا الكونشيرتو الذي أبدعه الموسيقار “شرارة” تكمن في جوانب عدة من أهمها استلهامه الموفق للألحان الشعبية مع إضافة نسيج متعدد التصويت في ألحان مقامية، تناول عبرها المقامات ذات أرباع الصوت وخاصة في الحركة الثانية التي بناها على “ثيمة” اللحن الشعبي المشهور “أيوب المصري” استخدم فيها مقام الراست على درجة الجهاركاه، ومن ثم تحول بأسلوب ذكي إلى جنس النهاوند على الجهاركاه وهذه التحويلات تبرز خبرته الموسيقية الكبيرة في روح المقامات العربية وأبعادها النفسية على المتلقي الذواق، بما ابرز إمكانات العود وطابعها الصوتي الميز بما تتميز بالروح الغنائية مع استخدام للقواعد الهارمونية بعيداً عن التنافر وعدم الانسجام.‏‏

ولم تتوقف المحاولات الجريئة في كتابة مؤلفات موسيقية لهذه الآلة النبيلة، حيث قدم المبدع الكبير “جميل بشير” أنجب تلامذة الشريف محي الدين حيدر “كونشيرتو العود” أدته الفرقة السيمفونية في الاتحاد السوفياتي السابق، عكس تاريخ وحضارة هذه الآلة، وتنوعت الإسهامات والحوارات في هذا المجال. ويمكننا أن نذكر اسماء مبدعين كبار حاولوا البحث عن لغة إبداعية جديدة للعود بمرافقة الأوركسترا أو مع آلات غربية ومشرقية كالبيانو والغيتار والسيتار الهندي وغيرها من آلات، نذكر منهم الباحث العراقي “منذر جميل حافظ”، في “كونشيرتو العود والأوركسترا الوتري، في مقام ري الكبير”، قدمته الفرقة السيمفونية العراقية عام 1978، وإسهامات مرسيل خليفة وأحمد مختار، وأنور ابراهام، ومحمود سعد جواد، والفنان سالم عبد الكريم، وشربل روحانا في كونشيرتو العود من تأليف عبد الله المصري، والموسيقار السوري الكبير “صفوان بهلوان” في عمله البديع “الربان والعاصفة” الذي أدته أوركسترا برلين بقيادة المايسترو العالمي “نوري رحيباني” وغيرهم من فنانين.‏‏

وتبقى، أخيراً وليس آخراً، تجربة الموسيقار الكبير “نوري اسكندر” كأهم محاولة عربية في استحداث لغة موسيقية مغايرة لآلة العود تتبنى العلوم الغربية بشكل فيه الكثير من الانسجام والتناغم والخبرة المعرفية في تعدد التصويت والتوافق: بوليفينيا وهارمونياً. ووضع هذه الخبرة في كتابة عمله الرائع “كونشيرتو العود” الذي تنوعت عبره مناخات التعبير التي تمتلكها الموسيقى العربية مع إبداع غير مسبوق في التوافق بين أرباع الصوت وإغنائها بتآلفات هارمونية بديعة وساحرة، قدمه لأول مرة كرباعي وتري عام 1983 ومن ثم مع أوركسترا الحجرة التابعة للمعهد العربي للموسيقى في حلب بعد إدخال بعض التعديلات عليه. وأخيراً قدمه بشكله النهائي عام 2008، مع الأوركسترا بقيادة المبدع “ميساك باغبودريان”، وصولو العود للفنان “عصام رافع”. لتتوالى محاولات مبدعين من البلاد العربية لترسيخ هده الحوارات والارتحالات الفكرية والثقافية نحو الآخر، لنقل آلة العود إلى مكانتها الثقافية والحضارية التي تليق بتاريخها الموغل في الإبداع والجمال الموسيقي النادر، في بحث لم ينقطع عن اللغة المفقودة في الموسيقى العربية المعاصرة، عن لغة إبداعية مغايرة لآلة ظلت إلى حين، مهمشة ومنسية إلى حد الفجيعة، تتحلل بخدر لذيذ في مناخها الطربي العتيد. ومن هنا تبقى هذه التجارب المهمة بمثابة قيامة جديدة للعود، ونهوض منشود من رماد الطرب وفتنة الصوت، نحو أفق تأليفي حداثي ولغة جمالية تحتاجها الأذن والذائقة العربية اليوم أكثر من أي وقت مضى.‏‏

إضافة تعليق
اسم صاحب التعليق:
البريد الإلكتروني لصاحب التعليق:
نص التعليق:
 

2017/1/10 العدد:847

الأعداد السابقة

اليوم الشهر السنة
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية