تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
2017/3/7 العدد:853
الثورة:     الجيش يواصل تقدمه ويستعيد 6 قرى بريف حلب الشرقي وبلدة كوكب بريف حماة.. ويكثف عملياته ضد إرهابيي النصرة بدرعا        الثورة:     وفد الجمهورية العربية السورية يقدم ورقة لمكافحة الإرهاب        الثورة:     المهندس خميس لوفد طبي إيطالي: القطاع الطبي بكل مكوناته كان هدفاً رئيسياً للإرهاب والتدمير الممنهج        الثورة:     إرهابيوه يُهزمون على يد الجيش العربي السوري.. غلوبال ريسيرش: «داعش» يقاتل بالوكالة عن أميركا والدول الخليجية        
طباعةحفظ


ما جدوى أن تكون مثقفاً؟ سؤال مركزي في عصر التحولات الكبرى

ملحق ثقافي
2017/3/7
عقبة زيدان

في حوارية عميقة بين المفكر الفرنسي ريجيس دوبريه والمفكر السويسري جان زيغلر، تطرق الإثنان إلى مسائل جوهرية تواجه العالم اليوم، هذا العالم الذي سقطت فيه كثير من الأفكار والأيديولوجيات وازدهرت أخرى.

طرح الإثنان مجموعة من النقاط الإشكالية؛ كان أهمها النظرية الماركسية، التقنية، النظام الرأسمالي، التقدم والتخلف، دور الثقافة والمثقفين، العالم الثالث.‏‏

يقول زيغلر لزميله دوبريه: «أنت وأنا لدينا مهنة غريبة، نحن مثقفان، أي أننا في عداد الناس الذين لا يجيدون فعل شيء على الإطلاق، إلا الإنتاج الرمزي، وإنتاج الأفكار والكلمات. غير أن هذه الأفكار تحتاج لمن يجسدها كي تصبح موجودة، لكي تصبح قادرة على تغيير الواقع. بعبارة واحدة أقول: إنك تؤلف كتباً، وأنا أؤلف كتباً. أنت تدرس وأنا أدرّس ونسهم سوياً في السجال العمومي. ولكن، في النهاية، ما المنفعة من وجودنا، وما هو مستقبلنا القريب والعملي كمثقفين؟».‏‏

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

يجيب دوبريه: «لا جدوى من وجودنا، وينبغي أن نتعايش مع هذه الفكرة، فنحن ببساطة نخدم الحقيقة. إننا نولد أفكاراً تتلاءم والواقع. هذا يكفيني».‏‏

من هو المثقف؟‏‏

إنه – حسب دوبريه – كائن شديد الالتباس ومتناقض أيضاً. إنه الشخص الذي يدلي بدلوه في المجال العمومي، ويعلن على الملأ آراءه الخاصة عن المدنية. المثقف ليس هو العالم ولا الكاتب. ويقول: «أنا مثقف غير أني من وجه آخر، كاتب، وعالم؛ ككاتب أكتفي بعبارة جميلة؛ وكعالم يكفيني أن يتولد لدي انطباع بأني عزلت حقلاً جديداً للأبحاث. ولكن كمثقف، أشعر أنني أحتاج لأن أترك صدى ما».‏‏

كان المثقف – سابقاً – يرتهن لأداة تأثير تتمثل بالمطبوعة. وكان تجسيد هذا التأثير يظهر في مادة الطباعة، كالكتاب والصحيفة. أما اليوم فقد تراجعت هذه الأداة أمام العالم السمعي البصري. وهذه الأداة الجديدة غريبة تقنياً عن أي أخلاقية للذكاء. وهنا يجد المثقف نفسه مستبعداً من التأثير. وعليه أن يحسم أمره، فإما أن يروج إعلامياً ولا يروج إعلامياً. وإذا روج – وهذا رأي دوبريه – «أصبح ممثلاً فاشلاً، أو قوّالاً، أو مفوه لعنات، أو واعظاً. وبذلك يخون أخلاقية الذكاء ويخون تعريف المثقف بالذات. وإذا لم يروج إعلامياً، يخون وظيفته أيضاً، لأنه يتخلى عن الالتزام وممارسة التأثير وخوض السجال».‏‏

أما زيغلر، فلا يوافق على التمييز الفئوي بين المثقف والعالم والكاتب، ولا يراه واقعياً، ويكون مثاله على ذلك دعوة جامعة لوزان لريجيس دوبريه، ويرى زيغلر أن المدعو ليس مجرد مثقف، بل ويمتلك صفة الكاتب والعالم، ويستطيع أن يوصل أفكاره التي يعرضها الكتاب. يقول زيغلر «إن أولئك الذين يمتلكون مجال التواصل ليسوا من المثقفين بل هم من مطلقي التوافه، وحيال هؤلاء يجد المثقف نفسه مستبعداً إلى أقبية النسيان. فهل نكون بالفعل مجرد أشخاص عفا عليهم الزمن، وفقدنا – بالمعنى الملموس واليومي للعبارة – وظيفتنا؟». ويتابع متسائلاً: «هل إن مصائرنا محكومة بأن نحفظ في المتاحف ونكون عبرة لذاكرة جماعية؟».‏‏

وباتساع المدى الإعلامي وسيطرة سطوة المال عليه، أين موقع المثقف؟ وكيف يمكنه أن يشارك في صنع العالم الجديد؟ هل انتهى دوره تماماً، وأحيل إلى التقاعد؟ أم أنه ما زالت هناك إمكانية ولو ضئيلة في وجوده الفاعل؟‏‏

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

يقترح دوبريه – ساخراً – أن يقام متحف للأنتلجنسيا: «هناك متاحف لكل شيء تقريباً اليوم: متاحف لفتاحات القناني، ومتاحف للسلال والذراري والمكانس، إذاً، أقترح أن يقام متحف استعادي للمثقف». ويصر أنه لم يعد هناك أية فعالية للمثقف على الإطلاق. إن السلطة الاقتصادية مركزت رأس المال، وليس معيار هذه السلطة الذكاء والجمال، بل الإغراء، أي «الضربة الخاطفة، الفضيحة، الحدث، وكل ما له سلطة. لقد ولى الزمن الذي كان يتحلق فيه حفنة من المثقفين لتأسيس صحيفة».‏‏

ومع كل هذا، لا يرى هذان المثقفان بأن المثقف لا داعي له في هذا العالم الإعلامي البصري السمعي، وهما يعلمان – باعتبارهما باحثين إنسانيين اجتماعيين – أن دور المثقف لا يمكن أن يتولاه أي طرف آخر اقتصادياً كان أو سياسياً. ولهذا فإنه على المثقف اليوم «أن يعثر على أنماط إنتاج وعمل جديدة، جديدة كل الجدة وغير محددة بعد. هناك حقب تنتهي، والضجيج الإعلامي يطغى على المشهد. ما عاد أحد يسمعنا. حسناً، غير أن وظيفتنا الاجتماعية بوصفنا منتجي معان، تبقى ضرورة أولى في كافة المجتمعات البشرية اليوم. لذا ينبغي أن نباشر في البحث عن أدوات جديدة وعن وسائل جديدة لإنتاج المعنى».‏‏

هو أمر صعب وشاق جداً، لأن المثقف لا ينتج مالاً، وهو غير مرغوب فيه في الماكينة الاقتصادية الجبارة. وعليه، فإن الحيز الذي سيسمح له الحركة فيه – أو حرية الحركة – سيكون صغيراً جداً وضيقاً تماماً، ولن يكون في مقدوره أن يسمع من خلاله صوته. ولذلك عليه أن يناضل لإنتاج النطاقات الجمعية والتحالف مع طبقات أخرى، وربما تكون جديدة من إنتاج العوامل الاقتصادية الحديثة.‏‏

ليس من السهل على المثقف العضوي أن يؤمن بفعاليته اليوم، وهو ليس قادراً أيضاً على تحديد أفكاره حول طريقة إنتاجه. إنه يعلم أن وجوده – كمنتج للمعاني – ضروري لوجود الجميع، ولكن تقف أمامه جملة من المشكلات الصعبة؛ أولها أنه ملتزم بالحقيقة وبمشكلة الإنسان، ومناضل فاعل ضد باعة الأوهام الذين يحاولون أن يشوشوا على المثقف ويحرموه من فك رموز الواقع.‏‏

يعلن دوبريه أنه لا يشعر بأن وجوده كمثقف ضروري، ويؤكد أن إنتاج المعنى لن ينبثق من فرد عبقري، لأن المعنى سيتراكم ببطء ويترسب عبر ما لا يحصى من الأعمال الفردية الجزئية الدؤوبة. وهو، من حيث هو مناضل ضد الإمبريالية ومنتجاتها القاتلة، يدرك سطوتها الإعلامية وقدرتها – الحالية – على تحويل دفة الصراع لصالحها.‏‏

مثقفان مسكونان بإرادة التغيير والأمل في عالم مختلف وبـ «الوعي الشقي» كما يقول هوركهايمر، هذا الوعي الشقي هو الملاذ الأخير لكرامة المثقف. هما يدينان الرأسمالية التي تعيث في الأرض فساداً، التي تفسد البشر والطبيعة. إنها – أي الرأسمالية – نظام على قدر من القسوة لا تضاهى. فهو يعمد إلى تشييء الوعي، ويحرف الإنسان إلى السلعية الخالصة ويسلب منه الحرية، وفي نهاية المطاف يسلب منه مصيره.‏‏

يدرك المفكران اللذان يعيشان في الغرب الرأسمالي، أن النظام الرأسمالي حول الكرة الأرضية بأسرها إلى حيز متجانس، حيث العمل على بلوغ الحد الأقصى من الربح يشل الفقراء، ويمنح مالكيه سلطاناً اعتباطياً بالكلية. إنه يقضي على كل ما هو حي، وما هو كائن تحت السماء، وما يمكن أن يكون تحت هذه السماء أيضاً.‏‏

إضافة تعليق
اسم صاحب التعليق:
البريد الإلكتروني لصاحب التعليق:
نص التعليق:
 

2017/3/7 العدد:853

الأعداد السابقة

اليوم الشهر السنة
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية