تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
2017/3/7 العدد:853
الثورة:     الجيش يواصل تقدمه ويستعيد 6 قرى بريف حلب الشرقي وبلدة كوكب بريف حماة.. ويكثف عملياته ضد إرهابيي النصرة بدرعا        الثورة:     وفد الجمهورية العربية السورية يقدم ورقة لمكافحة الإرهاب        الثورة:     المهندس خميس لوفد طبي إيطالي: القطاع الطبي بكل مكوناته كان هدفاً رئيسياً للإرهاب والتدمير الممنهج        الثورة:     إرهابيوه يُهزمون على يد الجيش العربي السوري.. غلوبال ريسيرش: «داعش» يقاتل بالوكالة عن أميركا والدول الخليجية        
طباعةحفظ


حدود الأصالة كمفهوم وجودي

ملحق ثقافي
2017/3/7
حاتم حميد محسن

هل يمكن للمرء أن يعيش حالة الأصالة Authenticity ؟ قيل لنا “لكي تمتلك ذاتك عليك أن تكون حقيقياً”. ولكن ماذا نعني عندما نقول إن شخصاً ما هو أصلي أو شخص حقيقي جداً؟ أصلانية(1) الشخص تُعرّف عادة بكون الشخص صادقاً وحقيقياً مع ذاته ومع الآخرين،

يمتلك المصداقية في كلماته وسلوكه ولن يسمح لأي مظهر للتزييف والتظاهر. معنى الأصلانية إذاً يتوضح بمقارنتها مع اللاأصلانية inauthenticity تماماً كمقارنة الضوء بالظلام. ولكن غياب أي معايير واضحة للحكم على الأصلانية يجعل الحدود بين الأصلي واللاأصلي غير مؤكدة وغير آمنة.‏

أن السعي للأصلانية متصل جزئياً بتحقيق بعض معايير الاستقلالية والحرية أو الرغبة في أن نكون المصممين المعماريين لحياتنا. الكفاح لأجل الأصالة الفردية يوفر العلاج للظروف الخارجية، وهو إلى حد ما يمثل رد فعل للاأصلانية السائدة في الحياة الثقافية والدينية والسياسية اليومية. الرغبة بالأصلانية هي أيضاً ضرورية لاكتشاف الحقيقة والعثور على الإنجاز في الحياة، بجعلها أكثر شمولية ومعنى. وبشكل عام، إن حالة اللاأصلانية يمكن أن تكون مصدراً لتوتر عميق، يدفع الناس للسعي ليصبحوا أكثر أصلانية، وفي انسجام مع حياتهم الداخلية والخارجية.‏

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

تعريفات‏

الأصلانية هي مفهوم فلسفي يشير إلى الذات الأصلية، الحقيقية للوجود الإنساني. المفهوم برز من رؤية أن الكائن الإنساني يوجد أو يعيش بشكل عام بطريقة غير أصلية، وأن المعنى الحقيقي للذات وعلاقتها مع الآخرين قد ضاع. ولكي يتمكن الإنسان من استعادة ذاته الأصلية لا بد من إعادة فحص راديكالية للسياقات الثقافية وأساليب الحياة المعتادة وطرق التفكير.‏

وفي علم النفس تشير الأصلانية إلى محاولة الفرد ليعيش حياته طبقاً لحاجاته الداخلية بدلاً من طلبات المجتمع أو الظروف المبكرة للفرد.‏

أن نصبح أصلانيين هي مهمة فردية، طالما أن كل فرد له طريقته الخاصة في أن يكون إنساناً، وبالتالي فإن ما هو أصلي سيكون مختلفاً لدى كل فرد. كذلك، الأصالة الفردية تتحدد ضمن سياقها الخاص وتعتمد على مختلف الخصائص الاجتماعية والثقافية والسياسية والدينية. لكن الطبيعة المتفردة لكل فرد تجعل النظر إليه ليس بصيغة منْ هو وإنما بصيغة منْ سيكون، وأن كون الإنسان أصيلاً هي عملية مستمرة وليست حدثاً. إنها تستلزم ليس فقط معرفة الذات وإنما أيضاً الاعتراف بالآخرين وبالتأثير المتبادل بين الأفراد. إذا كان السعي للأصالة الفردية هو فقط لغرض الإنجاز الذاتي، عندئذ فإنه سيكون فردانياً ومبنياً على الأنا، ولكن إذا كانت الأصالة مصحوبة بالوعي بالآخرين والعالم الأوسع، عندئذ ستكون هدفاً ذا قيمة.‏

فلسفة الأصالة‏

إن مفهوم الأصالة جرى استكشافه طوال التاريخ من جانب العديد من الكتّاب بدءاً من فلاسفة اليونان القدماء، مروراً بمفكري التنوير، وصولاً إلى الوجوديين والمنظرين الاجتماعيين المعاصرين.‏

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

فمثلاً يمكن اعتبار قول سقراط “الحياة اللامُختبرة لا تستحق العيش” أو “اعرف نفسك” محاولة لدفع الآخرين لاكتشاف الذات الأصلية وطريقة الحياة. العائق الاجتماعي لإنجاز الأصالة أو (إدراك الذات) جرى التأكيد عليه من جانب جان جاك روسو (1712-78)، الذي جادل بأن الأصالة الفردية انحسرت بفعل الحاجة إلى احترام الآخرين في مجتمعات تميزت بالتراتبية الهرمية واللامساواة والاعتمادية المتبادلة. طبقاً لروسو، الأصلانية تُشتق من الذات الطبيعية بينما اللاأصلانية هي نتيجة لتأثيرات خارجية.‏

مارتن هايدجر‏

الفيلسوف الوجودي مارتن هايدجر (1889-1976) ذكر بأن الأصالة هي اختيار طبيعة وجود الإنسان وهويته. هو أيضاً ربط الأصالة بوعي الأخلاق، لأن وعي المرء بموته الحتمي هو فقط من يقود إلى حياة أصلية حقيقية. مشروع هايدجر في إدراك هوية المرء ضمن سياق العالم الخارجي وتأثيراته، ينطوي على علاقات معقدة بين الأصالة واللاأصالة والذي يعني أنهما يجب النظر إليهما ليس كمفهومين متناقضين لبعضهما وإنما كمكملين ومستقلين. يرى هايدجر أن كل من الأصالة واللاأصالة هما شكلان أساسيان للوجود في العالم ولا يمكن فصلهما.‏

جان بول سارتر‏

فيلسوف وجودي آخر هو جان بول سارتر (1905-80) أكّد بأن هناك جوهراً غير متغير للذات، لكننا نمتلك رغبة حرة تسمح لنا بحرية تامة في تقرير حياتنا من بين الخيارات المتوفرة. طبقاً لسارتر، الوجود يسبق الجوهر: وبكلمة أخرى، أول منْ يأتي إلى الوجود هو الكائن الإنساني الذي يستمر في تعريف ذاته، بدلاً من المجيء إلى الوجود بطبيعة معطاة سلفاً. بالنسبة إلى سارتر، تتطلب الأصلانية تبنّي المسؤولية الكاملة عن حياتنا، وعن الخيارات والأفعال. ولذلك، فإن القلق الذي ينتج عن إدراكنا لحريتنا والذي لا مهرب منه هو جزء مكمل لحياتنا الأصلية. لكن يجب التأكيد بأن حرية الفرد هي مقيدة بالطبيعة والمجتمع بالإضافة إلى محددات الأفراد ذاتهم، وهو ما يسميه سارتر “حقيقتهم” facticity . أما آلبرت كاموس (1913-60) فقد ادّعى بأن الوعي الكامن في الكون والذي لا يهتم بنا ولا يقدم لنا الخلاص، يجبر الفرد على الاعتراف بأن المسار الوحيد للحرية هو إدراك الذات الأصلية. لكي يكون المرء أصلياً، يجب أن يكون واعياً بحماقة عالمه السخيف الخالي من الهدف والأخلاق الموضوعية، وأن يخلق معنى للحياة من خلال التمرد ضد هذه السخافة. هذه الأصالة الفردية تبرز من احتقار أي عزاء خارجي غير وجودي، بما يعني أن الفرد يقيم في منفى أبدي مغترباً عن حياته وعالمه ومجتمعه.‏

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

غير أن العالم ليس فيه أي ميول خاصة للخير ولا للشر: إنه كما هو. لا قيمة حكمية يمكن إلحاقها به، حتى عندما لا يصبح للحياة معنى من منظور الإنسان.‏

كيركيجارد‏

أما كيركيجارد فقد اعتبر الأصلانية تكمن في عثور الفرد على إيمان أصلي وحقيقي له. هو يرى أن الميديا والبرجوازية المسيحية جسّدتا تحدياً للفرد الذي يسعى ليعيش أصالته ضمن المجتمع. هو يرى أن تدخّل الثيولوجيا والميديا أغلق الطريق أمام الناس للوصول إلى التجارب الحقيقية وإلى الأصالة. إن ثقافة الجماهير قادت لضياع أهمية الفرد، وبدلاً من أن تكون الميديا كمساعد للمجتمع في تشكيل أفكاره الخاصة نرى المجتمع يستعمل الأفكار المصنوعة إعلامياً، فلابد من استعادة الذات الأصلية التي فقدتها الجماهير.‏

هذه الرؤى الفلسفية حول الأصالة الفردية تتغير، ولكن هناك فكرة مشتركة للأصالة الفردية كعملية ديناميكية لكينونة لامتناهية في عالم ومجتمع متغيرين بدلاً من أن تكون حالة ثابتة للوجود. الأصالة وعدم الأصالة لا يجب النظر إليهما كحالتين منفصلتين، وإنما كمفهومين ذوي اعتماد متبادل.‏

بعض الاشتراطات الأساسية‏

إن مفهوم “الأصالة” هو بناء إنساني، وبهذا هو لا يمتلك حقيقة مستقلة عن الذهن. ولكن هل الأصالة ممكنة أو مرغوبة؟ السؤال ربما مثير للالتباس كونه يتضمن جواباً مطلقاً بنعم أو لا، ولا يشير إلى أية إمكانية “لأصالة جزئية”. هذا يرشدنا نحو تفسير لمفهوم الأصالة كمطلق، ولكن بشكل عام البحث عن المطلقات هو بلا طائل. لذا دعنا ننظر في بعض الأشياء التي يمكن أن تقيّد الأصالة المطلقة.‏

البعض يرى أن الأصالة يستحيل تحقيقها طالما أن أية أصالة حقيقية هي مؤقتة ولا يمكن المحافظة عليها إلى ما لانهاية. وكما في الهوية، لا يمكن تعريف أو قياس الأصالة بما يكفي لأن العديد من خصائص الفرد هي في تغيّر دائم وبلا نقاط إشارية ثابتة.‏

الأفراد يباشرون تغييرات طوال حياتهم بسيل من المشاهدات والتفسيرات، لذا فإن الهوية الإنسانية هي ديناميكية ومتعددة الأبعاد، إنها عمل متواصل بدلاً من كونها حالة ثابتة. ولذلك، فإن اكتساب بعض معايير الأصالة الفردية هو مشروع دائم مدى الحياة لا يمكن تحقيقه أبداً. الأصالة الفردية تستلزم مبادئ ومُثلاً يُعاد تقييمها باستمرار من خلال اختبار ذاتي وتفاعل اجتماعي، لذا السؤال الأساسي هو منْ سيحكم على شخص ما بالأصالة أو عدمها؟ كيف نستطيع التمييز بين الأصالة الحقيقية وما هو مجرد عرض للأصالة؟ إذا كانت “أصلانية” المرء يتم تعزيزها وتجسيدها وتسليط الضوء عليها فهي إذاً ليست أصلانية حقيقية. الأصلانية لا يمكن التصريح بها أو إشاعتها بين الناس أو تسويقها وبنائها واستبدالها بأنواع أخرى من السلع. إنها يجب أن يُعبّر عنها بوضوح وبلا تظاهر.‏

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

كونك صادقاً ونزيهاً تجاه نفسك والآخرين هي عملية ارتباطية متصلة بالعالم الخارجي بالإضافة إلى العالم الداخلي للمرء ذاته. ولكن، لكي يتجنب إزعاج الآخرين، يجب على المرء ملاحظة الحاجة لتقييد التعبير عن الأصلانية في مواقف محددة. لهذا ربما يميز أحد بين “الأصلانية الداخلية” و”الأصلانية الخارجية”. لكي نتجنب تحميل الآخرين عبء قضايانا الخاصة، نحن عادة نميل إلى إخفاء شعورنا الحقيقي. الأصالة الحقيقية هي ليست حول تعبير المرء عن ذاته الداخلية بكل ما تحمل من طيف واسع من العواطف المتغيرة في كل المواقف. الوعي الذاتي غير المتحيز في اللحظة الراهنة هو ذو أهمية كبرى، كونه يعزز وضوح الحوار الداخلي ويُضعف الوصول إلى الإيغو.‏

ولكن لا يكفي أن تكون صادقاً ونزيهاً. هناك صفات معينة بدونها سيبقى مفهوم “الأصالة الفردية”قشرة فارغة، معرّفة بشكل غامض وبفهم فقير وبدون تلك الصفات سيصبح السعي نحو الأصالة مؤذياً للعلاقات الفردية وللمجتمع. هذه الخصائص الضرورية للأصالة تتضمن طاقات للاختبار الذاتي غير المتحيز ومعرفة ذاتية دقيقة ومسؤولية فردية وحكم معرفي وتواضع وعاطفة لفهم الآخر، بالإضافة إلى الرغبة في الاستماع للتغذية من الآخرين. إنجاز الأصالة الفردية يصبح أكثر تعقيداً بوجود الأوهام والتحيزات، بما فيها الخداع الذاتي وأماني التفكير والنزعة للسلوك المختلف حين يكون المرء تحت المراقبة.‏

إشكاليات الأصالة‏

من المفارقة أن يكتشف المرء بعض مقاييس الأصالة الفردية ليس عبر تجنب العالم الخارجي، وإنما فقط عبر الانغماس فيه، ومع ذلك تتحقق الأصالة عبر مقاومة التأثيرات الخارجية على الإدراك الذاتي للمرء. وطالما أن الإنسان يعيش في حالة من عدم اليقين، فإن الأصالة سيتم اكتشافها فقط في عدم اليقين هذا. وهكذا فإن المأزق الآخر هو أن الأصلانية يمكن بلوغها فقط من خلال الانغماس في عدم اليقين، لكن عدم اليقين يمنع اكتشاف الذات الحقيقية، التي بدونها لا يمكن أن تتحقق المعرفة بالأصالة. كذلك، أي اكتشاف موضوعي للذات يكون ممكناً فقط بدون تحيزات وأحكام مسبقة – لكننا جميعاً لدينا تحيزات و أحكام مسبقة، لذلك لا يمكن أبداً لأي اختبار ذاتي مفصّل وطويل أن يكشف تماماً عن الهوية الحقيقية ومن ثم عن الأصالة. كذلك يمكن للظروف الصعبة أن تقود إلى شك ذاتي وعدم أمان، فالمعرفة الحقيقية يجب أن تضع ذلك في الحسبان.‏

السؤال هو كيف تعرف حقاً إن كنت أصلياً أم لا؟ لا يمكن للمرء الواعي معرفة ما إذا كان أصلياً أثناء حياته اليومية. ولكن من جهة أخرى، المعرفة الذاتية التامة مستحيلة: لا يمكن للفرد استكشاف كامل الشبكة المعقدة للوعي الإنساني. لأن العمليات الإدراكية مثل التصور والتحليل والجزء الأكبر من محتوى الذاكرة هي غير متاحة للاطلاع الواعي. النزعة هي لملء الفجوات بين المعروف واللامعروف بالحقائق المعروفة والأفكار حول الشخص لكي يعطي وصفاً منسجماً. وبالتالي فإن الاختبار الذاتي قد يقود إلى تصور ذاتي غير دقيق. إن مقدرة الذهن الإنساني على فحص كميات كبيرة من المعلومات أو المظاهر المتعددة لموضوع معين هي محدودة وتقود مرة أخرى إلى فهم غير كامل أو إلى تجسيد خاطئ لما يُشاهد ويُمارس. المعرفة الإنسانية تبقى دائماً غير تامة ومؤقتة، ولكن مع ذلك، بدون الوعي الكامل لا يمكن الحصول على أي أصالة تامة، لذا ستكون الأصالة في أية لحظة جزئية فقط. كذلك، سيكون هناك تزامن في الهويات المتعددة للفرد بالاعتماد على الأدوار التي يقوم بها في المجتمع بما في ذلك الهويات الفردية والمهنية والثقافية والقومية والدينية. التغيرات في ديناميكيات الهوية تكون معقدة، ولا يمكن التنبؤ بها مع التغيرات في المجتمع والاقتصاد والسياسة. هذه العوامل تجعل أي اكتشاف غير غامض للهوية الفردية تحدياً صعباً خاصة عندما تكون التحليلات مبسطة أو حين يحصل تجاهل للعلاقات المتبادلة المعقدة لمختلف العناصر. هذا يقود إلى وهم في فهم الهوية الفردية ومن ثم إلى وهم مماثل في الأصالة. ترتكز الأحكام الإنسانية والمواقف على تفسيرات للواقع أكثر من أن تكون معتمدة على تفسيرات الواقع ذاته. إن حدود التصور الإنساني والأفكار والمعرفة الذاتية هي جزء من المشكلة الرئيسية للأصالة الفردية. لا أحد يمكنه الوصول إلى معرفة ذاتية تامة، معرفة هي ذاتها تُعرّف ويُعاد تعريفها باستمرار على أساس فهم جديد مقابل خلفية العالم ومتطلباته.‏

مشكلة اللغة‏

عامل محدد آخر للسعي نحو الأصالة يتصل باللغة المستخدمة المعرّضة لسوء الفهم؛ حيث أن الكلمات واللغة ليستا كافيتين للتعبير عن الطيف التام لأفكار المرء ومشاعره. الاستعارات والمجازات وإيحاءات ورموز اللغة هي المصدر الكبير لسوء الفهم. كذلك، الكلمات والأبنية هي عادة ما تكون غامضة وتحمل أكثر من معنى. لا توجد لغة واضحة تماماً تحمل مطابقة مباشرة بين الكلمات والتجربة. إن التحول في أفكار الفرد وتصوراته حول نفسه قد لا تكون دائماً شمولية، لذا فإن تعبير الأفراد عن أنفسهم في اللغة قد لا يكون منسجماً. أيضاً اللغة التي تصف الأصالة هي ذاتها ربما تكون اعتباطية وغير واضحة وعادة تستخدم كلمات غامضة مثل “حقيقي”، “واقعي”، “أصلي”، “ذات”، “طبيعي”. الاتصالات الأصلية تعتمد على قدرة الأفراد على تمييز ما هو حقيقي لأنفسهم، وعلى كفاية اللغة في التعبير عن أفكارهم، لذا فإن قيود اللغة والتفسيرات والتعبير تمنع بناء علاقات أصلية بين الأفراد. في مثل هذه الاتصالات لا يتضح ما إذا كانت الأصالة أو عدم الأصالة في التفاعلات تعود إلى الظروف أم إلى اللغة أو الموضوع أو إلى المشاركين وتصوراتهم وتفسيراتهم.‏

مأزق الثابت والمتغير‏

مأزق آخر في الأصالة الفردية يتصل بحقيقة أن معظم الصفات الفردية تتغير بمرور الزمن، لكن الأصالة الفردية يُتوقع أن تجسد بعض معايير الانسجام. هذا التناقض الواضح يستلزم تلبية متطلبات كل من التغيير والثبات. وبكلمة أخرى، إذا كانت هوية الفرد تتطور باستمرار، فكيف يمكن للمرء تمييز واكتشاف معنى الأصالة الفردية أثناء حياته؟ إن قيمة الأصالة لا تكمن في استمراريتها وإنما في تطورها المتواصل طوال حياة الفرد.‏

إشكالات أخرى‏

عوامل أخرى ربما تمنع تطور أصالة الفرد من بينها النقص في فهم الأصالة، البرمجة المسبقة للفرد، الخوف من الرفض والفشل، الضغوط الاجتماعية للامتثال لكي يعيش أصلياً. في هذه الحالات، يحاول الفرد أولاً السعي لإظهار أفضل وجه لديه والتعبير عما هو متوقع منه لكي يمكن النظر إليه بشكل أفضل. في عدة مواقف، ربما يتطلب التعاون مع الآخرين بعض التكيّف، أي بعض التسويات غير الأصلية. كون الفرد تحت ملاحظة وفحص مستمرين فهو قد يجسّد أصلانية في أفضل الأحوال، ولكن ذلك يكون مستحيلاً في أسوأ الأحوال.‏

إن محاولة إنجاز الأصالة الفردية تزداد سوءاً بفعل التقدم التكنولوجي الذي يغمر تصورات الفرد بأوهام الواقع، كالتلفزيون. تكنولوجيا أخرى هي الواقع الافتراضي. الاستخدام السائد للواقع الافتراضي يؤدي في النهاية إلى صعوبة التمييز بين التجربة والواقع الافتراضي وهو ما يفاقم ميول الإنسان اللامتناهية للخداع الذاتي والانطباع الزائف. عموماً، يرتبط مستقبل التجربة الإنسانية بنشوء التكنولوجيات المعززة، بما فيها الذاكرة وتقنيات تعزيز الإدراك. الاتحاد بين الإنسان والماكينة ربما يجعل من الضروري إيجاد تعاريف جديدة لماهية الكائن الإنساني، وخلق مشاكل جديدة متصلة بطبيعة الإنسان وهويته، وطبيعة المجتمع ومعنى الوجود والأصالة الإنسانية.‏

إذا كانت الحياة فناً، كما في أي شكل فني آخر، فإن المرء يمكنه الاقتراب من الكمال لكنه لا يستطيع أبداً الوصول إليه. إن هناك منْ لا يشقى في الأصالة الفردية أبداً، البعض الآخر يكتشفها في أفعال محددة، وهناك آخرون يكافحون للاقتراب منها في مجالات الحياة والفن، ولكنهم نادراً ما يصلون إليها.‏

المصادر‏

(1) The Limits of Authenticity, philosophy Now, issue 92‏

(2) RSA (الجمعية الملكية لتشجيع الفنون والتصنيع والتجارة)، عدد حزيران 2010.‏

(3) Wikipedia, The free Encyclopedia‏

..........................................................................الهوامش‏

(1) استخدمنا تعبير (أصلانية) إن صح تمييزاً عن مفهوم (الأصولية) الدينية أو السياسية. الموضوع هنا فلسفي ذاتي يتعلق بوجود الإنسان ذاته قبل أن يكون نظرية سياسية أو دينية مرتبطة بزمان ومكان معينين.‏

إضافة تعليق
اسم صاحب التعليق:
البريد الإلكتروني لصاحب التعليق:
نص التعليق:
 

2017/3/7 العدد:853

الأعداد السابقة

اليوم الشهر السنة
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية