تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
2017/3/7 العدد:853
الثورة:     الجيش يواصل تقدمه ويستعيد 6 قرى بريف حلب الشرقي وبلدة كوكب بريف حماة.. ويكثف عملياته ضد إرهابيي النصرة بدرعا        الثورة:     وفد الجمهورية العربية السورية يقدم ورقة لمكافحة الإرهاب        الثورة:     المهندس خميس لوفد طبي إيطالي: القطاع الطبي بكل مكوناته كان هدفاً رئيسياً للإرهاب والتدمير الممنهج        الثورة:     إرهابيوه يُهزمون على يد الجيش العربي السوري.. غلوبال ريسيرش: «داعش» يقاتل بالوكالة عن أميركا والدول الخليجية        
طباعةحفظ


هو الحنين

ملحق ثقافي
2017/3/7
وجدان أبو محمود

كنتُ نحيلاً وبنصفِ روحٍ يومَ التقيتكِ، جفلتُ أمامكِ غير واعٍ وارتجفتُ، هالني الانطباقُ الدّقيقُ الذي مكّنكِ من استنساخ نصفٍ شبيهٍ أشعرني فجأةً بالاكتمالِ.. كان شيئاً أشبهَ بالنّفيرِ، بدا حزني وفرحكِ ملتبسانِ كموجتينِ... كينونتان بالمذاق عينه، تدفّقت اللهفةُ من أحاديثنا العاديّةِ، لم أبذل جهداً لأشرحَ نفسي،

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

فقد انفرطتْ من عينيكِ حبّةً حبّةً. كلُّ ما فيَّ اتّقدَ حتى خفايا هواجسي تمرّدت وطَفَتْ على شفتيَّ الموصودتين. ارتحلَتْ نوارسُ أحلامي نحوكِ دونَ إذنٍ، عشّشتْ في ابتسامتكِ النّاعمةِ فتوجّستُ فيها انتهابي، حتى قلبي قد استكانَ أمامكِ طائعاً... قلبي الموحشُ الذي لم يهدأ يوماً بمرسى..‏

مذْ بتِّ صديقتي تكشّفَتْ أمامي ملامحُ روحي وتضاءل خوفي من الآتي، ومذْ مشينا معاً لأوّلِ مرّةٍ تحرّرتُ وإلى الأبدِ من كذبةِ الجاذبيّةِ الأرضيّةِ، قُصّتْ حبالُ الوهمِ التي كبّلتني، ونسينا معاً الخوَذَ الوهميّةَ فوقَ رؤوسِ النّاس، أصواتهم الخفيضةَ تروي الفظائعَ، تجاهلنا البنادقَ... التّوابيتَ... الكحلُ السّائلُ تحتَ أجفانِ النّساءِ... الدّمعاتُ المتجمّداتُ على وجوهِ الفاقدين... خطواتُ المفقودين والمهاجرين والموتى... العدمُ الآخذُ بالتّجلي... المخاضُ الذي يتلو المخاض... والصّقيعَ القاتلُ الذي واصلَ تمدّدهُ في حنايانا.‏

بدأ نحولي يزدادُ أكثر، ارتدتني المرارةُ أمامكِ بفجورٍ، شهدتِ تحوّلي من رجلٍ إلى طيفٍ وما استطعتِ البكاء. وهناكَ حيثُ وقفنا مرّةً متسمّرينِ على جذعِ سنديانةٍ، جاهدتُ كيما أراكِ في ضبابِ الخوفِ الذي موّهَ صفاءَ البلادِ، شَطَرْتِنِي إذ سحبْتِ أصابعكِ قبلَ اشتباكها بأصابعي، لملمتِ ارتباككِ ونبضاتكِ المتسارعةِ وصرختِ: “منذُ متى لم تنظر في المرآة؟!... أنت تتآكل”.‏

في الواقعِ أنا كنتُ على علمٍ باهترائي الدّاخليّ، غيرَ أنّي لم أُفكّر أبداً بأنّه باتَ ظاهراً للعيانِ. تملّيتُ في قبضتكِ المضمومةِ وأجبتُ بأصابعٍ مرتعشةٍ: “بلى هو شبحي من يحدّثكِ... الوغدُ الذي يفكّرُ في الانتحار... تفكّكهُ الهمومُ ويفتّتهُ الألم، يقولونَ إنّي يائسٌ ويقولونَ إنّي عاشقٌ ويقولونَ أيضاُ إنّي مريضٌ... في الحقيقة أنا لا أعرفُ من أصدّق”.‏

أمطرتِنِي همساً منعشاً وأنتِ تزيحينَ إحدى خصلاتِ شعركِ عن فيضانٍ رقيقٍ: “صدّق قلبكْ”.‏

رفَعْتِنِي إلى روحي بمنتهى الخفّةِ، أغمضتِ عينيكِ فيما الشّمس تبدّلُ فوقَ وجهكِ مواقعَ الظّلالِ، تنهّدتِ وأكملتِ بنبرةٍ مكسورةٍ: “لا شيء يُبقيكَ هنا سوى العواطف، فكّر بنفسكَ يا صديقي، فعندَ النّهاياتِ كلُّ النّاسِ تَنْسى وكلُّ الناس تُنْسى... عند النّهاياتِ لا أحدَ يموتُ من الحنينِ”.‏

خبطتُ يدي بالجذعِ الصّامتِ وهتفتُ: “سأفعلُ ما تشائين، لكن بربّكِ... لا تغمضي عينيكِ”.‏

لا أستطيعُ فهمك - لا أستطيعُ فهمي - أبذل جهداً - صدّقيني أبذلهُ مضاعفاً لأكونَ طبيعيّاً... بوصلتي كنتِ ونبيّتي التي اتّبعتُ حينما كذبتْ.. آثرتِ نجاتي على انمحائي قبالتكِ، وأنا الذي أنقذتني من الموتِ قهراً ضغطتُ حياتي في حقيبةِ ظهرٍ خفيفةٍ ومضيتُ، منحتني تذكاراً...، لهذا الحدِّ دفعتني نحو اللاعودة، ولهذا الحدِّ نجحتِ. كشطتُ عن جلدي يباسي وندباتَ الخوفِ ورحلتْ، خلّفتُ ورائي جيشاً من طواحين الهواءِ... من خلفيات الحبِّ المنتزعةِ من حكاياهُ... جبالاً من المشاعرِ المنخورةِ... ونصفَ روحٍ.‏

والآن في البلادِ البعيدةِ تلكَ التي ارتميتُ في أحضانها وجعاً أشمُّ ياسمين بلادي كلّما تنفّستُ، أشربُ كوبَ ماءٍ، فأعبُّ منهُ عسلَ الذّكرياتِ، استعدتُ وزني، عولجتِ من الأوهامِ التي ظهرتْ في فحوصاتي العامّةِ، صرتُ أراكِ أكثر في ورقاتِ الزّيزفون تطيّرها أمزجةُ الهواءِ وفي لثغاتِ الصّغارِ وفي عناقِ النّاسِ للناسِ، تذكّرني بكِ فيروزُ إذ سألتْ “كيفك إنتَ”. أشعرُ أنّني بأمسِّ الحاجةِ لتقديمِ الإجابةِ لكِ أنتِ.‏

أجلسُ في السّاحةِ المرصوفةِ على مقعدٍ أنيقٍ، أكتبُ وكأنْ للمرّةِ الأخيرةِ في حياتي، فيما النّسيمُ الذي لم يردعهُ وزني يزحزحُ جسدي المجوّف ويذرو ما تبقّى من رمادِ الأغنية “يغالبني الوجدُ قليلاً، لكنّي بخيرٍ أعملُ وأسكنُ وآكلُ وأتنزّهُ ولا تحنيني همومُ الغدِ، ما زلتُ أمشي كلَّ يومٍ ساعتين، مازلتُ موجوداً مثلكِ يا صديقتي، لكنّي خسرتُ النّصفَ الأخيرَ من روحي وحدثَ ما لم تسعفكِ بهِ النبوءةُ... لقد متُّ جدّاً من الحنين”.‏

إضافة تعليق
اسم صاحب التعليق:
البريد الإلكتروني لصاحب التعليق:
نص التعليق:
 

2017/3/7 العدد:853

الأعداد السابقة

اليوم الشهر السنة
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية