تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
2017/3/7 العدد:853
الثورة:     الجيش يواصل تقدمه ويستعيد 6 قرى بريف حلب الشرقي وبلدة كوكب بريف حماة.. ويكثف عملياته ضد إرهابيي النصرة بدرعا        الثورة:     وفد الجمهورية العربية السورية يقدم ورقة لمكافحة الإرهاب        الثورة:     المهندس خميس لوفد طبي إيطالي: القطاع الطبي بكل مكوناته كان هدفاً رئيسياً للإرهاب والتدمير الممنهج        الثورة:     إرهابيوه يُهزمون على يد الجيش العربي السوري.. غلوبال ريسيرش: «داعش» يقاتل بالوكالة عن أميركا والدول الخليجية        
طباعةحفظ


الجمال المتواري في الداخل

ملحق ثقافي
2017/3/7
د.محمود شاهين

تتفرد مجموعة كبيرة من التجارب الفنيّة التشكيليّة العالميّة، باتخاذها للبدناء موضوعاً رئيساً لها، لأسباب شخصيّة وموضوعيّة عديدة، تتعلق بالفنان ونظرته إلى الجمال الإنساني الداخلي والخارجي، ومقاييسه ونسبه، أو بالشكل المرسوم أو المنحوت، ومدى تمثله لأفكاره ورؤاه وغاياته من الفن الذي يشتغل عليه.

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

بعض الفنانين، عالجوا البدناء في عدد قليل من أعمالهم كالفنان غوغان، وبيكاسو، وريفيرا، وبعضهم الآخر، أوقف كامل تجربته عليهم، ومن أبرزهم الفنانة التشكيليّة المصريّة (عزة مصطفى) والفنان الكولومبي (فرناندو بوتيرو).‏‏

بدانة من الخيال‏‏

تُعتبر الفنانة التشكيليّة عزة مصطفى من رائدات فن البدانة، لا سيما الأنوثيّة، وهي من الفنانين التشكيليين العرب القلائل جداً، الذين تخصصوا بهذا الموضوع الذي يراه البعض مجافياً للجمال الذي يشكل الهدف الرئيس للفن.‏‏

اختارت الفنانة مصطفى هذا الموضوع بمحض إرادتها، يدفعها إلى ذلك اعتقادها بأن المرأة المصريّة خصوصاً، والعربيّة عموماً، مغلوبة على أمرها، وتفتقد المتعة والترفيه، لكونها مشغولة باستمرار، بإدارة شؤون أسرتها ومنزلها،‏

الأمر الذي يصرفها عن الاهتمام بنفسها وجسدها، وتالياً فإن الكآبة غالباً ما تدفعها للتعويض عن ذلك بالأكل، وبشراهة أحياناً، وهو ما يقودها إلى البدانة التي تقول إن نحو ستين فناناً تشكيلياً في العالم، اتخذوها موضوعاً رئيساً لأعمالهم.‏‏

تؤكد الفنانة مصطفى أن ثلاثة أرباع نساء مصر بدينات، وهي شخصياً لا ترسم البدانة البحتة والمباشرة المتجسدة بكتل اللحم التي تجعل المرأة غير قادرة على الحركة، وإنما ترسم البدانة من وجهة نظر فنيّة، تضمنها رؤاها وموقفها من هذا الموضوع الذي يشدها إليه لأكثر من سبب يتعلق بالمرأة البدينة نفسها. فهذه المرأة في العادة، تتسم بخفة الظل، وتمارس حياتها اليوميّة دون تكلف أو ادعاء، وهي إنسانة بسيطة، تلقائيّة، عاديّة، رائعة، وحلوة الروح، وذات ملامح وجه جميلة مغرية على الرسم، كل هذه الخصائص والمزايا في المرأة البدينة، جعلت منها ضالتها التي تبحث عنها، ومن ثم رصدتها في أعمالها. وهي لا تأخذها عن موديل، وإنما من بنات أفكارها وخيالها، وفق معاييرها الخاصة بالجمال،‏‏

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

المتمثلة بالنقاء والصفاء، وهو جمال داخلي، يأخذ طريقه إلى الخارج بأكثر من شكل وصيغة، من ذلك تصوير المرأة العربيّة وهي تمارس حياتها اليوميّة في بيتها، أو تمارس تسلية مع جارتها أو ابنتها، كلعب الورق، والرهان، والتدخين، أو وهي تتسوق من سوق الحارة، أو تشارك في الثورة، وذلك بلغة واقعيّة مبسطة، يتواكب فيها الرسم مع اللون، والموضوع مع الشكل، والفنانة مصطفى ميالة إلى استخدام الألوان الزاهيّة، لتعكس روح الحي الشعبي، وخصوصيّة المرأة الشعبيّة، ما يدفعها للمبالغة أحياناً، بدرجات هذه الألوان، وتضادها القوي، وعدم واقعيتها، الأمر الذي يدعم قولها أنها لا تنفذ أعمالها عن أنموذج واقعي (موديل) وإنما تستولدها من خيالها.‏‏

تجربة كولومبيّة‏‏

يقابل تجربة الفنانة عزة مصطفى في تصويرها للأجسام البدينة، تجربة مهمة وشهيرة في التشكيل العالمي هي تجربة الفنان الكولومبي فرناندو بوتيرو الذي يعد اليوم من أشهر فناني العالم في تناوله لهذا الموضوع الذي لا يقتصر على المرأة، وإنما يطول الرجل والطفل.‏‏

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

بدأ بوتيرو حياته بمهنة مصارعة الثيران التي تعلمها حسب أصولها، في المدارس المختصة، لكنه سرعان ما اكتشف وجود هواية أخرى لديه، أكثر إلحاحاً وضغطاً على شعوره وكيانه هي هواية (الفن التشكيلي) بأجناسه المختلفة: الرسم، والتصوير، والنحت، والحفر المطبوع، والملصقات، حيث عكف على إنتاجها بهمة ونشاط وإبداع وتفرد، وهذه الأعمال مجتمعة، حققت له شهرة واسعة، فتحت له أبواب المتاحف والصالات، في غالبية عواصم الأمريكيتين وأوروبا.‏‏

ولد الفنان فرناندو بوتيرو في مدينة ميديلين بإقليم أنتيوكوبا بكولومبيا العام 1950، سافر إلى إسبانيا والتحق بأكاديميّة سان فرناندو بمدريد، حيث عكف على إنجاز مجموعة من اللوحات التي تأثر فيها بفيلاسكيز وغويا. انتقل بعدها إلى إيطاليا للإطلاع بشكل مباشر على أعمال وأساليب فنانيها الكبار، بعدها عاد إلى بلاده، واستقر في العاصمة بوغوتا، حيث انكب على ممارسة الفن التشكيلي وإقامة المعارض، أو المشاركة فيها، وفي نفس الوقت، كان دائم التواصل مع الولايات المتحدة وأوروبا والمكسيك.‏‏

تفرد الأسلوب‏‏

منذ البدايات الأولى لتجربته، خط بوتيرو لنفسه شخصية فنيّة متفردة الأسلوب، قوامها عناصر بشريّة بدينة ومنتفخة وذات رؤوس كبيرة، وأطراف وملامح صغيرة يعرّف بها بقوله إنها ليست شخصيات بدينة، بل هي تحاول أن تعطي انطباعاً حقيقياً، وهو ينجذب إلى أنواع معينة من البشر أو الأشكال من دون أن يعرف لماذا، ربما الحدس هو الذي يقوده إلى ذلك.‏‏

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

يتناول بوتيرو في أعماله الفنيّة، أغراض وموضوعات الفن التشكيلي كافة، بدءاً من مظاهر الحياة اليوميّة لإنسان وطنه، وانتهاءً بالمشاكل والأزمات التي يعاني منها مواطنه، لا سيما الخراب والدمار الذي حل على وطنه كولومبيا خلال الحروب مع منتجي المخدرات ومروجيها، والحروب الأهليّة التي عصفت بها قرابة نصف قرن، ومآسي السجون، ومصادرة الرأي، وإعدامات الثوار، وغيرها من الموضوعات والمشكلات السياسيّة التي عصفت ببلاده. كما تناول المشكلات الاجتماعيّة، كالوقوف في طوابير الانتظار والازدحام على وسائل النقل، والاسترخاء في الحدائق العامة، والأزقة والبيوت القديمة وحفلات الموسيقا والتجمعات الأسريّة، واستراحات الصيادين، ومشاهد العشاق والموظفين ورجال الدين والأثرياء والعمال والنساء بأنوثتهن الطاغيّة.. وغيرها من مظاهر الحياة اليوميّة للمواطن الكولومبي الذي ميزه بالملامح والرموز والإشارات الوطنيّة العديدة، لا سيما العلم الوطني، وهو في غالبية أعماله، وكما رأينا لدى الفنانة التشكيليّة المصريّة (عزة مصطفى) يستحضر شخوصه، ويؤلف تكوينات لوحاته، من خياله وما تختزنه ذاكرته البصريّة من مشاهد التقطتها خلال طفولته، متماهية بموروث شعبه من الحكايا والأساطير التي تفردت فيها أمريكا اللاتينيّة، وكل ذلك من خلال أسلوبه المتفرد الذي سرعان ما يقود المتلقي إليه دون غيره، وأهم وأبرز مفرداته (بدانة شخوصه) المبالغ فيها إلى حد قد تبدو وكأنها من البلاستيك المنفوخ بالهواء!!‏‏

عفوية وخبرة‏‏

المتأمل في أعمال الفنان فرناندو بوتيرو، لا بد أن تدهشه حالة التماهي الرائعة القائمة بين (العفويّة) الكبيرة في تناول شخوصه وموضوعاته، وبين (الخبرة) الأكاديميّة في طريقة توزيعها في اللوحة ومعالجتها، ضمن معمار تكوين مدروس:‏

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

رسماً ولوناً وحركةً وعناصر ومفردات، ومن ثم علاقته بالخلفية التي يحرص على أن تتوافق محمولاتها والفكرة أو الموضوع الذي يعالجه في عمله الفني. بمعنى أن دراسته الأكاديميّة للفن، واطلاعه الواسع على اتجاهاته ونتاج رواده الكبار، في المرحلة الكلاسيكيّة والحديثة والمعاصرة، لم تؤثر على العفويّة المدهشة التي يرسم فيها شخوصه، والتعبيرات الواحدة التي يسكبها في ملامح وجوههم وحركات أيديهم وأرجلهم ووقفاتهم. والعجيب أن حالة تعبيريّة واحدة، تسيطر على وجوه شخوصه المشدودة إلى عين المتلقي، أينما وجدت في عمارة اللوحة، ومهما كان الفعل الذي تمارسه (انتظار، عزف موسيقا، قيلولة) وهي حالة تجابه عين المتلقي دون أن تقدم له أي نوع من التعبير (ألم، حزن، انفعال، غضب، فرح، ثورة) بل تعيش حالة من الصمت المطبق الممزوج بشيء من البلاهة، وكأن الأجساد الحاملة لهذه الوجوه هي حقاً من الدمى، وليس من البشر الذين تجري في عروقهم دماء، وتتنازع أحاسيسهم الانفعالات الإيجابيّة أو السلبيّة.‏‏

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

إضافة تعليق
اسم صاحب التعليق:
البريد الإلكتروني لصاحب التعليق:
نص التعليق:
 

2017/3/7 العدد:853

الأعداد السابقة

اليوم الشهر السنة
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية