تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
2017/12/5 العدد:881
الثورة:     بمبلغ إجمالي مقداره 3187 مليار ليرة سورية.. الرئيس الأسد يصدر قانوناً بتحديد اعتمادات الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2018        الثورة:     وفد الجمهورية العربية السورية يصل للمشاركة بالحوار...أروقة جنيف 8 بانتظار ماستحمله الجولة الثانية.. وإنجازات الجيش تصل الحدود الإدارية لإدلب        الثورة:     الدفاع الروسية: الفضل الأول للقيادة والجيش السوريين في النصر على داعش        الثورة:     أعراب المشيخات يباركون على أرض الواقع جريمة ترامب...وفد بحريني يزور القدس دعماً لإسرائيل.. والفلسطينيون يطردونه عند أبواب الأقصى        الثورة:     أكد عدم وجود اختناقات... مدير مياه الشرب بدمشق: الوضع المائي جيد وغزارة نبع الفيجة 200 ألف م3        
طباعةحفظ


غواية الزمن عند المبدعين الزمان الحقيقي هو زمان الحياة النفسية

ملحق ثقافي
2017/12/5
عماد الدين إبراهيم

يعتبر مفهوم الزمن من المفاهيم الإشكالية في الفلسفة منذ القدم، وما زال الفلاسفة حتى اليوم يقفون حائرين في محراب هذا المفهوم، بحثاً عن أسرار الكون، وأكثرِها التصاقاً بوجود الإنسان وحياته.

شكَّلَ مفهومُ الزمن لغزاً تحدى العقل البشري، وقد عبَّر عن ذلك الفيلسوفُ الفرنسي هنري برغسون بقوله: (إن الزمن هو المعضلة الأساسية في الميتافيزياء، وعندما تستطيع الإنسانية أن تقدم إجابة واضحة عن سؤال الزمن، فإنها تستطيع تجاوز المعضلات التي تواجه البشرية).‏‏

حاول الكثيرُ من الفلاسفة تعريفَ مفهوم الزمن، وهناك تعاريفُ كثيرة له منها تعريفُ الفيلسوف الإغريقي أفلاطون الذي عرَّفه بقوله: (إنه الصورة المتحركة لِمَا هو أزلي باتجاه الأبدية) أي أنه حركة متواصلة من الأزل إلى الأبد. كما يُعتبر الزمن بُعداً رابعاً للمكان بَعدَ الطولِ والعرض والارتفاع، ومن خلال الزمن أو التاريخ يتعرَّف الإنسانُ إلى الأحداث والوقائع التي جرت في الماضي، نحن نقسِّمُ الزمن إلى ماضٍ مضى وانقضى، وحاضرٍ مُعاش، ومستقبلٍ قادم، وقد عبَّر عن هذا التقسيم قديماً حاتم الطائي بقوله:‏‏

هلِ الدهرُ إلا اليومُ أو أمسِ أو غدُ‏‏

كذاكَ الزمانُ بيـنـنا يتردَّدُ‏‏

كما ينقسم الزمن إلى زمن فيزيائي محددٍ بدقة ومضبوطٍ بالثواني والدقائق والساعات والأيام و.... الخ، وزمنٍ نفسي – تخييلي غيرِ مضبوط، ومفتوحٍ على الحالة الشعورية والنفسية للإنسان، نورد هنا قولَ الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون: (الزمانُ الحقيقي هو زمان الحياة النفسية)، وخيرُ معبِّرٍ عن هذا الزمن شعرياً قولُ الشاعر اللبناني خليل حاوي:‏‏

كيف تمدُّ أرجلَها الدقائقُ‏‏

تستحيل إلى عصور.‏‏

بعد هذه المقدمة أريد أن أصلَ إلى لُبِّ الموضوع، وهو نظرة الأدباء إلى الزمن، كيف تعاملوا معه؟ ماذا أرادوا منه؟ وكيف شكَّل غواية جذابة لهم، مخادعة مخاتلة حيناً، ومهادنة موافقة حيناً آخر؟‏‏

العالم الرياضي الإغريقي أرخميدس حين أدركه الموت التفت حوله، وقال: (كلُّ ما أحتاج إليه هو لحظةٌ واحدة.. فلا تزال عندي مشكلة لم أنجح في حلها) لكن الزمنَ لم يمهله هذه اللحظة.. ومات.‏‏

الفيلسوف الإنكليزي جويت – لم أجد على شبكة الانترنت أي معلومة عنه بالعربية - قال لمن حوله: (إذا لم أعش 15 عاماً فسوف تكون حياتي عذاباً.. فعندي أفكار لم أسجلها بعد) ومات في عام 1893 أي بعد 15 عاماً.‏‏

بالمقابل قال المؤرخ الإنكليزي إدوارد جيبون (1737-1794) وهو على فراشِ المرض: لقد ضاعت مني فرصٌ كثيرة لكنَّ هذه الفرصة لن تضيع فسوف أعمل ليلاً ونهاراً في العشرين عاماً القادمة، فقد نسيتُ أن أسخر من الحياة والموت ومنَ الحكمة وراءهما، لكنَّه مات في 15 من كانون الثاني عام 1794 أي بعد ذلك بيومٍ واحد فقط.‏‏

الموسيقار الروسي بيتر إليتش تشايكوفسكي (1840 –1893) مبدع سيمفونية (بحيرة البجع) حين اقترب منه ملاكُ الموت وهو على فراش المرض، نظر إلى أصابعه وحركها برشاقة وقال لأصدقائه: سوف تعيش هذه الأصابعُ عشرين عاماً أخرى، لكنَّ الزمنَ لم يمهله إلا عشرين يوماً فقط.. ثم مات يوم 6 تشرين الثاني عام 1893.‏‏

الأديب الدانمركي هانس كريستيان أندرسن مؤلف قصص الأطفال العالمي (1805-1875) لم يتزوج، كان يحب العزلة كثيراً ويقول إنه يرى في عزلته أفكارَه تمشي على قدمين وتطير بجناحين، ذات يوم من أيام شهر تموز عام 1875 آوى إلى فراشه للنوم ولكنه قبل ذلك قال لصاحبة البيت الذي يقطن فيه: عندما أصحو من نومي سوف أروي لك قصة واحدة هي خلاصة حكمتي في هذه الدنيا، لكن الزمن لم يمهله.. ومات ولم يروِ تلك القصة، بل ربما جاء موته الحكمة النهائية لهذه الحياة.‏‏

الأديب اليوناني نيكوس كازانتزاكي وهو على فراش المرض كان يطلب من ربه أن يمدَّ في عمره عشر سنوات أخرى يكمل بها عمله، ويقول فيها ما كان عليه أن يقول، ويُفرغ نفسه، كان يريد أن يأتيه الموت فلا يأخذ منه إلا كيساً من العظام، لكن الزمن لم يُعطه ما أراد وجاءه الموت بعد أسابيع قليلة وتوفي في 26 تشرين الأول عام 1957.‏‏

في شعرنا العربي أبيات كثيرة تعبِّرُ عن نظرة الشعراء إلى الزمن. رضىً عنه، أو كراهية له، بسبب العثرات والمصاعب التي واجهتهم في حياتهم، قال المتنبي طالباً من زمنه المستحيل وهو الشاعر الطامح إلى المجد والعلى:‏‏

أريدُ من زمني ذا أن يُبَلِّغَني‏‏

ما ليس يبلُغُهُ من نفسِه الزمنُ‏‏

فهو يطلب من الزمان ما ليس الزمانُ بقادرٍ على الحصولِ عليه لنفسه، وقد عبَّر عن ذلك في بيتٍ شعريٍّ آخر قال فيه:‏‏

و ما سمحَتْ لنا الدنيا بشيءٍ‏‏

سوى تعليلِ نفسٍ بالمُحالِ‏‏

قد يحتار الشاعر وتضطرب الاتجاهات لديه، ويحاول الخروجَ من الزمان والمكان، ليجدَ لمخيلته فضاءً آخر يلائم تصوراته وشطحاته، قال الشاعر صالح هواري:‏‏

زمانٌ يطير إلى اللازمانِ‏‏

ليهبطَ في اللامكانِ اضطرارا‏‏

فيا هودجَ الماءِ سافرْ بقلبي‏‏

إلى اللاوصولِ وكنْ لي قطارا‏‏

أما الشاعر رضا رجب فإنه يضع نفسه خارجَ حدودِ وقيود الزمن ويلوذ بعالم الشعر ليندغمَ فيه، وهل هناك غيرُ الشعرِ ملاذٌ للشاعر (جوَّابِ الأرض ومسافرِ العصور الذي يحمل من كلٍّ أثراً) كما قال نديم محمد؟ يقول رضا رجب:‏‏

لا تسألي العشاقَ عن زمني‏‏

أنا ليس لي زمنٌ يؤرِّخني‏‏

هاجرتُ من حلمٍ إلى حلمٍ‏‏

وهربـتُ من وثنٍ إلى وثنِ‏‏

ورضيتُ هذا الشعرَ أبدعهُ‏‏

ورضيتُ هذا الهمَّ يُبدعني‏‏

العلاقة مع الزمن علاقة زئبقية مخاتلة مخادعة، لا بل هناك بعض الفلاسفة الذين يعتبرون الزمن صناعة بشرية محضة لا وجود له خارج حدود الوعي البشري، يؤكد ذلك قولُ القديس أوغسطين: (إن الزمن لا يمكن أن يكون حيث لا توجد مخلوقات لقياس مروره). ومن أصحاب هذا الاتجاه أيضاً الفيلسوف الألماني كانط الذي يرى أن وجودَ الزمن متوقفٌ على وجود النفس الإنسانية و(لا وجودَ للزمن إلا إذا كان في النفسِ الإنسانية تأثرٌ به).‏‏

إضافة تعليق
اسم صاحب التعليق:
البريد الإلكتروني لصاحب التعليق:
نص التعليق:
 

2017/12/5 العدد:881

الأعداد السابقة

اليوم الشهر السنة
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية