تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
2017/12/5 العدد:881
الثورة:     بمبلغ إجمالي مقداره 3187 مليار ليرة سورية.. الرئيس الأسد يصدر قانوناً بتحديد اعتمادات الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2018        الثورة:     وفد الجمهورية العربية السورية يصل للمشاركة بالحوار...أروقة جنيف 8 بانتظار ماستحمله الجولة الثانية.. وإنجازات الجيش تصل الحدود الإدارية لإدلب        الثورة:     الدفاع الروسية: الفضل الأول للقيادة والجيش السوريين في النصر على داعش        الثورة:     أعراب المشيخات يباركون على أرض الواقع جريمة ترامب...وفد بحريني يزور القدس دعماً لإسرائيل.. والفلسطينيون يطردونه عند أبواب الأقصى        الثورة:     أكد عدم وجود اختناقات... مدير مياه الشرب بدمشق: الوضع المائي جيد وغزارة نبع الفيجة 200 ألف م3        
طباعةحفظ


الشاشات وتأثيرها على العقول

ملحق ثقافي
2017/12/5
ترجع بعض الدراسات مسألة تزايد العنف في المجتمعات، إلى انتشار وسائل الإعلام، وخاصة التلفزيون، إذ رأت أنه مع ظهور التلفزيون تفاقمت نسبة العنف، وتصاعدت مع مرور الوقت، أي مع الانتشار الواسع للفضائيات ولوسائل الاتصال الحديثة.

‏‏‏‏

ولا يمكن أن نهمل كذلك الجوانب الإيجابية من التلفزيون أو الشاشة بشكل عام، إذ هناك جانب تربوي ومتعوي وتعليمي لا ينكر. ونحن هنا نريد أن نستعرض الجانب السلبي للشاشات وخطرها على المجتمع والفرد.‏‏‏‏

الرصاصة السحرية‏‏‏‏

تقول نظرية التأثير القوي أو نظرية الرصاصة السحرية، إن وسائل الإعلام لها تأثير قوي ومباشر على الفرد والمجتمع يكاد يبلغ حد السطوة والسيطرة، وهو بهذا مثل الرصاصة التي تنطلق ولا يمكن ردها أو الإفلات منها. وسميت هذه النظرية أيضاً بنظرية الحقنة أو الإبرة تحت الجلد، التي تحقن محلولاً في الوريد الذي ينقله إلى أنحاء الجسد عبر الدورة الدموية، ويصبح تأثيره كاملاً ولا يمكن مواجهته.‏‏‏‏

ويقول مؤيدو هذه النظرية إن المرسل يتحكم بشكل كامل بالعملية الاتصالية، لأنه هو من يقوم بخلقها وتصميمها وبناء الرسالة، ومن ثم يختار الوسيلة التي تؤدي الهدف أكثر من غيرها، أي التي تكون أكثر انتشاراً وتأثيراً، وفي المقابل أيضاً يختار التوقيت الذي يبث فيه رسالته القاتلة.‏‏‏‏

وأخيراً تصل الرسالة إلى عدد كبير من الأفراد، حيث يتلقاها كل فرد بشكل مستقل عن الآخرين، وتحدث تأثيراً مباشراً في كل المتلقين على حد سواء، ويتفاعلون معها بنفس الطريقة. ومن ثم يرى مؤيدو هذه النظرية أن المتلقي سيستجيب دائماً للرسالة التي يتلقاها، باعتباره حلقة ضعيفة في العملية الاتصالية ومغلوب على أمره ومسيطر عليه.‏‏‏‏

اعتمدت هذه النظرية على نظرية المجتمع الجماهيري التي تبلورت بعد الحرب العالمية الأولى، وكذلك على نظرية المنبه والاستجابة، والنظرية الفردية في التحليل النفسي، والعلوم السياسية.‏‏‏‏

‏‏‏‏

يمكن ببساطة نقد هذه النظرية (الطلقة السحرية)، لأنها لا تفرق بين مستجيب (متلق) وآخر، واعتبرت المتلقي مسيطراً عليه سلفاً وسيقوم بما تريده وسائل الإعلام، وكأن المتلقي عبارة عن أداة تقنية تقوم بما تلقن به. إضافة إلى أن الفوارق الجوهرية بين البشر، تضعف من هذه النظرية، لأن الفوارق الطبقية والمعرفية بين الناس تختلف كثيراً. ولذلك يكون رد الفعل الجماهيري مختلفاً بين الواحد والآخر، وربما لا يكون هناك رد فعل ظاهر عند عدد من الناس، حيث لا تغريهم الرسالة الموجهة أبداً.‏‏‏‏

وفيما بعد سقطت نظرية الطلقة السحرية، بعد القيام بدراسات ميدانية حول تأثير وسائل الاتصال، وكانت النتيجة أن توصل الباحثون إلى محدودية وسائل الإعلام، مقارنة بما تحدثه العوامل الأخرى: الأسرة، وقادة الرأي، والأحزاب، والأسرة، والعامل الفردي. وهذه كلها كشفت محدودية وسائل الإعلام على المتلقي.‏‏‏‏

وبعد زمن، درس الباحثون العمليات النفسية التي يتأثر بها الإنسان، وما تحدثه في نفسيته، وبالتالي تغير من تعامله مع مجتمعه. وخلصوا إلى نتيجة أن تأثير وسائل الإعلام يكون معتدلاً. أي أنهم لم يقللوا من شأن قوة الإعلام ولم يعلوا من شأنه أكثر من اللازم، ولكنهم مع ذلك حذروا من تكرار الرسالة الإعلامية التي تؤثر بقوة وترسخ في عقل الإنسان الباطن.‏‏‏‏

الآثار النفسية‏‏‏‏

إن أكثر ما يخيف في وسائل الإعلام، هو العنف المقصود، الذي تبثه الشاشات أو قنوات التواصل، وقد تأكد من خلال دراسات كثيرة أن هناك علاقة وثيقة بين مشاهد العنف التي تبث وبين السلوك العدواني للمتلقي. وتؤكد الدراسات النفسية على أن مشاهد العنف ترفع من حدة الآثار النفسية والعاطفية عند المشاهد، ما يدفعه إلى القيام بأفعال عدوانية تجاه الآخرين.‏‏‏‏

‏‏‏‏

تفعل المشاهد العنيفة فعلها داخل الفرد، حيث تدعم السلوك الموجود أصلاً عنده، وتدفعه إلى أن يقوم بهذا الفعل بشكل واقعي. وتتباين الاستجابات حسب الإحساس والشعور بالإحباط والضيق والتوتر. وهي عوامل نفسية مساعدة على هذا النوع من الفعل الإنساني اللامتوازن.‏‏‏‏

إن الضخ الإعلامي اللامسؤول يخلق في المجتمع أفراداً مهووسين بالجريمة والقتل والعنف. إنه يخاطب الطبيعة الإنسانية من إحدى نقاطها الضعيفة، ويدمر فيها كل ما هو إنساني. وهنا تلعب البيئة دوراً مركزياً في إعادة المتلقي إلى جادة الصواب عبر تحليله لظواهر العنف، وعبر تحويل اهتمام الفرد المشوه إلى التعاون الإنساني والخير.‏‏‏‏

التوعية‏‏‏‏

هل يكفي أن تقوم المؤسسات الثقافية والتربوية بجهد ما حتى تحد من ظاهرة العنف الإعلامي؟‏‏‏‏

هناك آراء تقول بضرورة الرقابة المشددة على المحتويات الإعلامية العنيفة بكل أشكالها، وهكذا تتحول وسائل الإعلام إلى أدوات فعالة لمواجهة العنف.‏‏‏‏

ويرى آخرون أنه يجب أن يتعدى الأمر الرقابة إلى مشاركة وسائل الإعلام مباشرة في العملية التوعوية لحل مشكلة العنف، وذلك عبر برامج مدروسة تبث عبر وسائل الإعلام لتحييد المعلومات الخاطئة وترويج ثقافة السلم والمحبة. ولكن هذا الأمر لا يتم عبر برامج فقط، إنما يجب أن توضع استراتيجية هادفة تقوم على دراسات نفسية واجتماعية وثقافية، ودراسات حول طبيعة المشكلة وحجمها ومدى تأثيرها في المجتمع.‏‏‏‏

‏‏‏‏

إن هذه الاستراتيجية لا يمكن أن تنجح إذا لم تتم دراسة الموضوع دراسة وافية، وأن تسخر وسائل الاتصال بشكل حثيث وجاد للحد من الظواهر السلبية، وتحجيمها قدر الإمكان. وهنا لا بد من وجود مراكز أبحاث ومختصين في جميع الاختصاصات: العلوم الإنسانية، النفس، الإعلام، الثقافة، والتربية...‏‏‏‏

وببساطة، يجب أن تنفذ حملة إعلامية ضخمة، يديرها أشخاص مؤثرون ومقنعون، ويستخدمون أساليب حديثة واضحة ومقنعة ودقيقة.‏‏‏‏

كرتون‏‏‏‏

أثبتت كثير من الدراسات أن برامج الأطفال تظهر مشاهد عنف أكثر بخمسين إلى ستين مرة من برامج الكبار، ووجدت أن أفلام الكرتون تتضمن أكثر من ثمانين مشهد عنف في الساعة. وهذا رقم أكثر من خطير، ومؤشر مرعب لما يدخل في عقول الأطفال والناشئة. ويقول لوردن بيج في دراسته للعلاقات بين الجنوح ووسائل الإعلام في جامعة جرونوبل «إنه من خلال ملاحظة عدد الساعات التي يقضيها المراهقون في مشاهدة البرامج المليئة بالعنف، وعدد الأعمال العدوانية التي يرتكبونها فيما بعد، يمكننا التأكيد بأن العنف المرئي عبر التلفزيون يزيد الاستجابات العدوانية للمشاهدين بنسبة تتراوح بين 5 - 10% أياً كان الوسط الاجتماعي المنحدرين منه أو المستوى التعليمي الذي وصلوا إليه أو سلوك آبائهم معهم».‏‏‏‏

 يتم شحن الأطفال والمراهقين بمشاهد العنف اليومية على الشاشات، وهي تُخزَّن داخلهم بانتظار اللحظة المناسبة. وقد ينقل الأطفال العنف التلفزيوني إلى مدارسهم، وهذا ما يسمى بالمحاكاة، إذ يقوم الطفل بتقليد بطل معين، ويمكن أن يودي بحياة زميله أو أي شخص آخر.‏‏‏‏

ومن المعلوم أنه كلما شاهد الطفل أفلاماً عنيفة أكثر، زادت رغبته في التقليد وخفت لديه المشاعر الإنسانية، وتحطمت عاطفته وشفقته، وأصبح من السهل عليه أن يقوم بأي فعل عنيف. إضافة إلى استخفاف الطفل بالمؤسسات التي تحمي القانون وتنفذه، لأنه لا يرى لها أي دور في الفيلم الذي يشاهده.‏‏‏‏

‏‏‏‏

التلفزيون‏‏‏‏

ليس كل ما تقدمه وسائل الإعلام، وفي مقدمتها التلفزيون، سلبياً ومدمراً، حيث تقدم برامج معينة ثقافة للطفل، وللكبير أيضاً. وتحفز جوانب إيجابية في طريقة تعامل الإنسان مع مجتمعه وتضامنه مع بني جنسه. ولكن هذا ليس طاغياً، بل قليلاً، وأصبح نادراً في ظل توحش وسائل الإعلام المرئية الكثيرة، وتنافسها على حصد أكبر عدد من المشاهدين.‏‏‏‏

ويتصدر التلفزيون قائمة التأثير على المتلقي، بما يمتلكه من جمع بين الصوت والصورة والحركة ونقاوة الألوان، إضافة إلى سهولة التعامل معه واستخدامه، إذ لا يحتاج إلى خبرة كباقي وسائل الإعلام، ولا يحتاج أيضاً إلى مهارة الكتابة أو القراءة. ولذلك يكون الطفل هدفاً جاهزاً وقابلاً لأن يتأثر بسهولة، لأنه لا يمتلك ثقافة، ولا يستطيع تحليل الأمور ولا فلسفتها وتقييمها. وبهذا فإن مشاهد العنف التي تبث على فضائيات العالم، إن كان في نقل أخبار حروب العالم، أو في البرامج العنيفة، أو في أفلام الكرتون المحرضة على العنف، كل هذا يحمله على تحويل عواطفه ومشاعره باتجاهات خطيرة ومدمرة.‏‏‏‏

أظهرت دراسة بريطانية، من خلال تحليل أجري على مئات البرامج خلال فترة امتدت لستة شهور، أن برامج العنف غطت 37% من جملة البرامج التلفزيونية، وتمثل برامج الأطفال 19% من برامج العنف، وأن هذه البرامج تتضمن 21 ألف عمل عنيف موزع على عشرة آلاف مشهد. ووثقت دراسة أخرى، حقيقة أن برامج الأطفال التليفزيونية كانت أكثر عنفاً بكثير من برامج الكبار، بمعدل بلغ ثلاثين فعلاً عنيفاً في الساعة. وهذا أمر خطير ويوجب التحرك السريع والفاعل للحد من تدهور مستقبل الجيل الناشئ.‏‏‏‏

إن هذه الأفلام والبرامج العنيفة، تدفع الطفل إلى التقليد، بعد أن تماهى مع شخصية البطل المحبوبة وحاول تقليدها أو محاكاتها. فمثلاً قام شابان عام 1999 بإطلاق النار على زملائهما في مدرسة ثانوية أمريكية، وقتل أكثر من عشرة أشخاص، وجرح آخرون، وقد حاكى الشابان فيلم «يوميات كرة السلة» لبطلهما المحبوب ليوناردو ديكابريو. وبسبب هذه المجزرة، جرت دراسات معمقة لدور أفلام العنف الأمريكية في توجيه السلوك وحرف المراهقين عن طبيعتهم السلوكية. وتوصل بعضهم إلى نتيجة أن تقليد العنف التلفزيوني له أسباب مساعدة كالمشاكل النفسية والعائلية.‏‏‏‏

‏‏‏‏

ختام‏‏‏‏

مهما قرأنا من دراسات حول تأثير وسائل الإعلام، فإن الواقع يعكس كل السلبيات التي تحدثها. ومع التسارع الهائل في توليد الصورة والصوت، ومع القدرة الجبارة لسيطرة هذه الوسائل على حياتنا وحياة أطفالنا، ليس هناك من حل سحري بأيدينا، سوى أن نراقب شاشاتنا المنزلية، ومحاولة توعية أطفالنا وتوجيههم إلى نوع البرامج التي عليهم متابعتها، إذ استطعنا طبعاً، لأن التشدد في المراقبة - والمنع - في زمن التكنولوجيا الكامل، يمكن أن ينعكس علينا سلباً.‏‏‏‏

‏‏‏‏

إضافة تعليق
اسم صاحب التعليق:
البريد الإلكتروني لصاحب التعليق:
نص التعليق:
 

2017/12/5 العدد:881

الأعداد السابقة

اليوم الشهر السنة
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية