تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
العدد:906 2018/6/12
طباعةحفظ


معرفة الجميل

ملحق ثقافي
2018/6/12
من بين الكتب المهمة التي صدرت بالعربية، والتي اهتمت بموضوعة الجمال، كان كتاب الدكتورة أميرة حلمي مطر (في فلسفة الجمال.. من أفلاطون إلى سارتر)،

وقد استطاعت في هذا الكتاب أن تقوم بقراءة فلسفات كبار الفلاسفة الذين أغنوا هذا الموضوع بحثاً ونقداً. وقد تناولت في كتابها فلسفة الجمال منذ بداياتها في العصر اليوناني، أي منذ أفلاطون وأرسطو وأفلوطين. ويرى أفلاطون أن «الفن هبة مقدسة جاءت الإنسان من العالم الإلهي، وفهم مهمة الفنان على أنها أخطر من مجرد التعبير عن الصورة الجميلة، إنه إنسان ملهم من قوة عليا، مطلع على الحقيقة القصوى، منبئ الناس عنها».‏‏

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

لم يكن أفلاطون على وفاق مع فن عصره، فقد حارب خداع الحواس في فن النحت والتصوير، وطالب بفن آخر غايته المحافظة على النسب الصحيحة والمقاييس الهندسية المثالية، وهو بهذا ينحو منحى سقراط الذي يعلي من شأن العقل على الحواس. ولم يكن حال الشعر بأفضل حالاً، فقد حارب أفلاطون الشعر باسم التعبير الصادق عن الحقيقة، وطالب الفنان بمعرفة واعية للحق وتوجيهه إلى الخير. ولكنه بعد ذلك يجد نفسه مضطراً إلى أن يقول بأفضلية الإلهام على كل معرفة عقلية، وهو بهذا يقع في حيرة من أمره، بين أن يعلي من شأن العقل، أو أن يعترف بسمو القوى اللاعقلية التي تتصل بالعالم الإلهي، حيث توجد الحقيقة.‏‏

ومن هنا نجد أن الجمال بالنسبة إلى أفلاطون – كما يقول الكاتب الدكتور عبد المجيد شكير في كتابه «الجماليات، بحث في الأصول ومقاربة للتمظهرات والتصورات» – هو مثال وجوهر لا يمكن الوصول إليه إلا بالتخلص من عالم الأشياء، العالم المحسوس الذي هو مجرد نسخة وانعكاس وظل لعالم حقيقي/عالم المثل. ويتم التخلص عبر جدل صاعد يبدأ «من جمال الأجساد إلى جمال الأرواح، فجمال الفكرة (أي المثالي)»، وهنا تستطيـع أن تهبـط الأرواح مشحونة بالرؤية الحقيقية للجمال في إطار جدل نازل.‏‏

وفيما بعد جاء أفلوطين ورأى أن «الاستجابة الجمالية للفن ليست غاية في حد ذاتها، بل تستمد قوتها من كونها دالة على الحقيقة العقلية الروحانية شأنها شأن الاستجابة لجمال الكون والطبيعة باعتبارهما من آثار المبدأ الإلهي المقدس والعلة الأولى التي تلهم نفوس الصوفية بالشوق الدائم والتطلع إلى معاينة هذا المبدأ والاقتراب منه» كما تقول الدكتورة مطر.‏‏

يرى أفلوطين أن الجمال في متناول السمع والبصر، ولا يقتصر الجمال على الحواس بل يشمل أيضاً النوايا والأفعال والعادات، والعلوم والفضائل. إذاً، إن أي شيء جميل، يجب أن يكون متناسقاً. وضمن منظومة الخير يتحصن مفهوم الجمال عند أفلوطين، فهو يرى أن الجمال هو الخير، ومن الخير يستمد العقل جماله، ومن العقل تستمد النفس جمالها.‏‏

الجمال ليس موضوعاً بسيطاً، يمكن أن يُختصر بكلمات، وإنما هو موضوع من الموضوعات التي لا يمكن الإحاطة بها، لأنه رهن للتطور الإنساني والتقدم، وكذلك لثقافة المتلقي. وهو بهذا يبقى مفتوحاً على الدوام.‏‏

إضافة تعليق
اسم صاحب التعليق:
البريد الإلكتروني لصاحب التعليق:
نص التعليق:
 

العدد:906 2018/6/12

الأعداد السابقة

اليوم الشهر السنة
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية