تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
العدد:906 2018/6/12
طباعةحفظ


موت بعيد عن الأضواء

ملحق ثقافي
2018/6/12
هنادة الحصري

منذ سنوات قريبة، نشر الأديب حنا مينة وصيته، التي طالب فيها بعدم نشر خبر موته في أي وسيلة إعلامية، مضيفاً أنه عاش حياة بسيطة ويرغب في أن تكون نهايته بسيطة..

تساءلت: ترى هل من باب أن التشابه هو الموت بعينه للمبدع، أم أن اختلاف البشر سنة كونية، أم أن عبثية الألم الذي عاشه قادته إلى أن يطوي كتاب الليل بصورة مختلفة عن السائد الثقافي، أو ربما لاكتشاف زوايا جديدة من الفضاءات المجهولة له؟‏‏

يقول مينة: (عشت عمري كله مع المغامرة، كنت على موعد مع الموت ولم أهبه، الموت لمن ينذر له نفسه، ثمانون عاماً تضعني على مزلقها والموت الذي أسعى إليه يفر مني. هذا الجسد هو الذي يخون وقد خانني جسدي).‏‏

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

حنا مينة الذي أضاع طفولته في الشقاء وشبابه في السياسة، وعاش فقيراً كالبؤساء والمعذبين في الأرض، ولم ينسجم مع الكلمات الكبيرة، يقول: (كنت أناضل بجسدي، والآن أناضل بقلمي، وإن المناضلين الشرفاء الصادقين هم الذين قاوموا الاستعمار والإقطاع، وقد كان لي خط الانتماء إليهم والتعرف إلى حقيقة الكلمة وشرفها من خلال إرشاداتهم. وإن هذا المجتمع في الطفولة واليفاعة والشباب أعطاني تجارب لا تنسى، أفدت منها في كفاحي بالقلم على امتداد حياتي الأدبية التي قاربت الخمسين حتى الآن. لقد تركت الانتماء الحزبي منذ منتصف الستينات، وكرست حياتي للأدب وللرواية تخصيصاً، وسأبقى كذلك، دون أن يعني ذلك نسيان الماضي، أو عدم الأمانة للمنطق، فأنا أعرف أن النوم الذي أنسى فيه ناسي، أو أدير ظهري أو ينقطع حبل السرة الذي يربطني بهم، سيكون يوم توقفي عن الكتابة وبالتالي عن الحياة.‏‏

صدقوني أنني حتى الآن، كاتب دخيل على المهنة، وأفكر بعد هذا العمر الطويل، في تصحيح الوضع والكف عن الكتابة، فمهنة الكتابة ليست سواراً من ذهب، بل هي أقصر طريق إلى التعاسة الكاملة.‏‏

حنا مينة، لم يكن عاجزاً عن مقارعة الحياة. فالبحر كان مصدر إلهامه، فلحمه سمك البحر، ودمه ماؤه المالح، وصراعه مع القروش كان صراع حياة. أما العواصف فقد نقشت وشماً على جلده إذ نادوا: يا بحر أجاب أنا البحر أنا، فيه ولد، وفيه يرغب أن يموت..‏‏

حنا مينة.. ومسيرة شاقة مشياً وبأقدام حافية في حقول من مسامير.. كانت أمنيته الدائمة أن تنتقل دمشق إلى البحر أو ينتقل البحر إلى دمشق، والسبب أنه مربوط بسلك خفي إلى الغوطة، ومشدود بقلادة ياسمين إلى ليالي الشام الصيفية الفاتنة، وحارس مؤتمن على قاسيون، ومغرم متيم ببردى، لذلك أحب فيروز والشاميات.‏‏

كانت حياة حنا رحلة مليئة بالأسى الإنساني، حاول فيها أن يغير العالم على كيفه، فأقام الدنيا وأقعدها وحمل صليبه منذ ستين عام، ولم يجد من يصلبه لعله يستريح، فيعترف أنه ولد بالخطأ، ونشأ بالخطأ، وكتب بالخطأ.‏‏

حنا مينة هذا الإنسان المغامر يعترف بأن مهنة الكتابة ليست سواراً من ذهب بل هي أقصر طريق إلى التعاسة الكاملة....‏‏

أتساءل هل إن أنشودة الحياة مملة رتيبة، حتى أصبح حنا مينة مخلوقاً يفكر أكثر مما يحلم. وما زلت أتساءل: لماذا طالب بوصيته بعدم نشر خبر موته... وأترك السؤال في عهدة القارئ الكريم.‏‏

إضافة تعليق
اسم صاحب التعليق:
البريد الإلكتروني لصاحب التعليق:
نص التعليق:
 

العدد:906 2018/6/12

الأعداد السابقة

اليوم الشهر السنة
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية