تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
العدد:906 2018/6/12
طباعةحفظ


ميتافيزيقا الطبيعة الأبعاد الفلسفية للمشاكل البيئية

ملحق ثقافي
2018/6/12
حاتم حميد محسن

الفيلسوفان مارتن هايدجر وجون ديوي نالا شهرتهما في الجزء الأول من القرن العشرين، لكنهما كانت لهما آراء مختلفة جداً حول البيئة. سنرى كيف يمكن تطبيق مفاهيمهما بشأن الطبيعة والطبيعة الإنسانية وفلسفة العلوم على السياسة والفكر البيئي الحاليين.

كان مارتن هايدجر عبّر في أفكاره اللاحقة عن رفضه للعلوم الحديثة والتكنولوجيا والنزعة التجارية، بالإضافة إلى أن مفاهيمه شبه الأسطورية مثل الوجود «BEING» اعتُبرت أقل فائدة للسياسة البيئية مقارنة بفلسفة ديوي الذي يمجّد هذه المؤسسات باعتبارها انتصاراً لكل من الإمكانات الطبيعية والإنسانية. غير أننا سنرى بأنه رغم أن روح فلسفة ديوي قد تتناسب بشكل أفضل مع الحاجات القصيرة الأجل المتعلقة بالقوانين والتعليمات البيئية والتكنولوجيا المحسنة، لكن الرسالة الهامة لفلسفة هايدجر هي ما نحتاجه اليوم لضمان الالتزام الطويل المدى بالمحافظة على البيئة وحمايتها.‏‏

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

هايدجر، ديوي والسياسة البيئية‏‏

نالت المخاوف حول الاحتباس الحراري والمشاكل البيئية الأخرى أخيراً اهتماماً كبيراً من الرأي العام. التقرير الصادر عن خبراء الأمم المتحدة عن التغيرات المناخية في شباط 2007 يؤكد ما يقوله العديد من البيئيين حالياً: الكوكب يزداد سخونة، وهذه الظاهرة هي من صنع الإنسان. الكثير من الجماعات العلمية تتفق على أن النتائج الطويلة المدى لهذه التأثيرات المناخية قد تكون كارثية لكل من البيئة الطبيعية والحضارة الإنسانية. ولهذا فإن صانعي السياسة البيئية يحاولون حالياً الإجابة على سؤالين رئيسيين:‏‏

1- ما هو سبب المشكلة؟‏‏

2- ماذا يجب فعله نحوها؟‏‏

عرض العلماء أجوبة واضحة بهذا الخصوص، وهي أن الاحتباس الحراري نجم عن انبعاثات الغاز من البيوت الزجاجية، وأن الحل للمشكلة يكمن في تقليل انبعاث الغازات عبر استخدام تكنولوجيا محسنة وسياسات وتعليمات جديدة. إحدى الأفكار الأخيرة في الولايات المتحدة هي إدخال تغييرات في الضرائب الفيدرالية لتشجيع الشركات على تطوير واستعمال طاقة بديلة.‏‏

بالطبع، يميل الفلاسفة دائماً إلى النظر إلى كل من الأسباب والحلول لهذه المشكلة بطرق أكثر تعقيداً مما يقوم به معظم العلماء. الفلسفة البيئية تتضمن أشياء مثل الأخلاق، الميتافيزيقا وفلسفة العلوم.‏‏

وإذا كانت الفلسفة البيئية الحالية تشكل حقلاً ثرياً ومثمراً للدراسة، فإنه من المفيد أحياناً أن نأخذ نظرة عن أصولها الفكرية. مع أن جون ديوي ومارتن هايدجر عاشا قبل أن تصبح مشاكلنا البيئية الحالية في الواجهة، لكنهما مع ذلك لديهما الكثير ما يقولانه حول العلم والطبيعة وعلاقات الإنسان مع العالم الطبيعي. أفكارهما حول هذه المواضيع وفّرت أساساً قوياً يرتكز عليه الكثير من الفكر البيئي الحالي. الفلاسفة الحاليين أمثال Michael Zimmerman و Bruce Foltz دمجوا أفكار هايدجر مع الفلسفة البيئية، بينما فلاسفة آخرون أمثال Andre Wlight و Larry Hickman طبّقوا براجماتية ديوي على البيئة. وهكذا فإن فحص بعض المفاهيم الأساسية لهايدجر وديوي يمكن أن يوفر أفكاراً هامة لبعض القضايا الفلسفية السائدة في نقاشات السياسة البيئية الحالية. في الحقيقة، رغم أن هايدجر وديوي يشتركان بأفكار معينة ملائمة بيئياً، إلا أن الاختلافات بينهما كانت أكثر وضوحاً، خاصة تجاه قضايا مثل الاحتباس الحراري. مارتن هايدجر (1889-1976) كان مرتبطاً بالحركة الفلسفية في القرن العشرين التي سميت بالفينومولوجي والوجودية. تفكيره، كما سنرى، كان مضاداً للحداثة مما قاده إلى نقد التكنولوجيا والتجارة والعلوم النفعية، خاصة في كتاباته اللاحقة. وبما أن هذه الأشياء هي مكملة جداً للعالم الحديث فهناك إحساس بشبه رفض للفكر اللاحق لهايدجر (رغم أنه اعتبر نقده للحضارة الغربية كرؤية وتطلع إلى الأمام).‏‏

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

مقابل ذلك، نجد الفيلسوف الأمريكي جون ديوي (1859-1952) قد تبنّى بحماس روح الحداثة. كان له ارتباطه القوي بالحركة الفلسفية المعروفة بالبراجماتية، فلسفته سميت أيضاً بالأداتية والتجريبية. على خلاف هايدجر، هو اعتبر العلوم، التكنولوجيا، التجارة تعبيراً أخلاقياً للطاقة الإنسانية. لذلك هو كان داعماً قوياً لهذه المؤسسات وتأثيرها الثقافي مقارنة بهايدجر.‏‏

طبيعة العلوم وعلوم الطبيعة‏‏

كلا المفكرين وبدون شك آمنا بوجود ارتباط عميق بين المشاكل الحالية مثل الاحتباس الحراري والقضايا الأكثر تجريدية مثل فلسفة العلوم، ميتافيزيقا الطبيعة، وطبيعة الإنسان. لكنهما أيضاً لا يتفقان على طبيعة هذا الارتباط. فلسفتاهما تتفقان بأن العلوم والتكنولوجيا صاغتا علاقات الإنسانية مع العالم الطبيعي، لكنهما لا يتفقان على ماهية هذه العلاقة، وكيف حدثت وماذا تعني.‏‏

مفهوم هايدجر عن العلوم والتكنولوجيا مفهوم سلبي.في عمله اللاحق، هو وصف الميراث العلمي كتجسيد لعدم احترام الإنسانية للعالم الطبيعي وعزلتها عنه. هذا الميراث الذي يبدأ بفلسفة وثقافة اليونان القديمة ويتصاعد حتى يصل ذروته في العلوم وفلسفة الحداثة، هو من حيث الجوهر ظاهرة روحية. قبل سقراط أجاد الإغريق التساؤل الممتاز وأسطورة الوجود ( Being) كما يسميه هايدجر، وبدأوا بتطوير الفلسفة والعلوم لوصف هذه التجربة. غير أن معنى التجربة كان رائعاً جداً وعميقاً، لذا بدأ مفكرون أمثال أفلاطون أرسطو بالاهتمام بكل من الفلسفة والعلوم كتفسير منطقي للعالم الطبيعي بدلاً من الأحاسيس الشاعرية حول هذه التجربة الأسطورية للوجود. هذه التفسيرات جعلت العالم الطبيعي ممكن التفكير به عقلياً، لكنها قامت بهذا عبر تجاهل الانكشاف الأصلي للوجود. هذا جعل أي إعجاب عميق بوجود الطبيعة مستحيلاً، وقاد إلى اغتراب متصاعد للإنسانية عن الطبيعة في الفكر والثقافة الغربيين.‏‏

إن تطور العلوم والتكنولوجيا في عالم ما بعد التنوير هو تعبير عن هذا الاغتراب. العلوم والتكنولوجيا طبقا لهايدجر «أطّرت» حالياً العالم الطبيعي بتحويله إلى مجرد شيء للدراسة التجريبية لغرض الاستغلال التجاري. أصبح العالم الطبيعي مستودعاً احتياطياً للاستغلال التقني. «العلوم تهاجم الطبيعة.... الزراعة هي الآن صناعة الطعام ميكانيكياً. الهواء الآن يُستخدم لتوليد الأوكسجين، الأرض تنتج اليورانيوم.. حتى نهر الراين ذاته يبدو كشيء تحت سيطرتنا... التجلي الذي يحكم في كل التكنولوجيا الحديثة له سمة الهجوم. (السؤال المتعلق بالتكنولوجيا، ص 320، 321). ومن هنا، يأتي إيمان ديكارت بأن هدف العلم هو إنجاز (الهيمنة وامتلاك الطبيعة) وأن هذا الهدف أنجز وظيفته الكاملة في الحياة الحديثة. العلم حوّل الطبيعة من تجلّي حي للوجود إلى مصادر تجارية وفكرية.‏‏

يتفق ديوي مع هايدجر بأن العلم الحديث له أصوله في الحياة الفكرية لليونان القديمة، ومنذ ذلك الوقت غيّر العلم علاقة الإنسانية مع العالم الطبيعي. غير أنه خلافاً لهايدجر، يرى ميراث العلوم كمحرر وتنويري بدلاً من الهيمنة والاغتراب. ورغم أن المؤسسين الكلاسيك للفلسفة والعلوم الغربية كانوا منخرطين في بحث عقيم عن اليقين، بحث عن المعنى الأبدي والمقدس للطبيعة، فإن العلم الحديث ومنذ التنوير أصبح وسيلة أكثر تطبيقية لتأطير الأسئلة اللامحدودة وإيجاد فرضيات مؤقتة. على خلاف فلسفة العلوم وثيولوجيا العصور القديمة، فإن العلم الحديث لم ير للطبيعة أي بناء ميتافيزيقي مقرر. الطبيعة كموضوع للعلم الحالي هي بناء ديناميكي تعاوني لذهن الإنسان. طبقاً لديوي، العلوم خلقت «عالم طبيعي لا يسعى لأجل إدراك مجموعة ثابتة من الأهداف» و»هو نسبياً مرن ومطاطي، يمكن استخدامه لهذا أو لذاك».(البنيوية في الفلسفة، ص 70).‏‏

يتفق هايدجر مع ديوي بأن هذا في الحقيقة هو ما حدث، لكنه يعتقد بأن ذلك شيء سيء. مع ذلك، يرى ديوي فضل العلم الحديث كأكبر حدث محرر في تاريخ الأفكار، ويمجّد إمكاناته لتحفيز الطاقات الإنسانية، داعياً إلى «نقل الطريقة التجريبية من حقل العلوم الفيزيقية إلى الحقل الأوسع لحياة الإنسان». ديوي يستنتج بأنه في العالم المعاصر:‏‏

«الطبيعة كما هي موجودة سلفاً لم تعد شيئاً يجب قبوله والخضوع له، يستمر ويُتمتع به كما هو. إنها الآن شيء قابل للتعديل، ليكون بالإمكان السيطرة عليه عمداً. إنها شيء مادي نعمل تجاهه لكي نحوله إلى أشياء جديدة تستجيب بشكل أفضل لحاجاتنا» (البحث عن اليقين ص 80، 81).‏‏

في الحقيقة، هذا هو بالضبط ما يجب أن يكون، لأن الطبيعة مصدر القدرات الإنسانية وأن النتاج التطوري النهائي للطبيعة هو المقدرة الإنسانية لتحويل الطبيعة ذاتها. مقدرتنا على تطويع الطبيعة لرغباتنا هو مظهر للطبيعة. إن تحسين ظروف الإنسان عبر استغلال وتحويل العالم الطبيعي عبر العلوم والتكنولوجيا والتجارة والفنون هو الإنجاز الأسمى للطبيعة.‏‏

بالمقابل، يميل هايدجر للنظر للطبيعة كـ «شيء يجب قبوله والموافقة عليه»كانكشاف لشيء مقدس وفوق الطبيعي (وجود) تفقد معه الإنسانية الاتصال عندما يتم التعامل معه كشيء للمعرفة العلمية أو الاستغلال التجاري. تحطيمنا للعالم الطبيعي هو مؤشر لاغترابنا الروحي عن المصدر النهائي للمعنى في حياتنا. كوننا اختزلنا الوجود إلى عالم الأشياء العلمية التكنولوجية التجارية، فإن الإنسانية تجد ذاتها الآن وحيدة في عالم تافه من الموارد والسلع. كوننا فصلنا الطبيعة عن أرضيتها المقدسة الباعثة للحياة تكون الإنسانية قد سرقت القيمة الباطنية للطبيعة ولذاتها. الطبيعة الآن تبدو بلا حياة وبلا معنى .‏‏

وهكذا سيكون «التشرد» كما يسميه هايدجر هو مصير العالم (رسالة حول الأنسنة، ص 243)، وإن العلاج الوحيد لهذا المأزق والذي يشك فيه هايدجر رغم الدعوة إليه، هو أن ترفض الإنسانية «جنون العقلنة»، والتكنولوجيا والتجارة لصالح الحرية». إنها تستلزم موقفاً من السكينة والاحترام العميق والتقدير للطبيعة كشيء مقدس في احتفال الوجود. في مثل هذه الحالة سيتم الاحتفال بالطبيعة مرة أخرى كمصدر للتساؤل، ولم تعد تُستعمل كشيء للاستغلال.‏‏

السياسة البيئية‏‏

كوننا فحصنا الرؤى المتضادة لهايدجر وديوي حول الإنسان والطبيعة فإن إجاباتهما لأسئلتنا الأصلية بشأن الاحتباس الحراري قد تبدو واضحة. في ضوء قبوله القوي للروح العلمية «النشطة»، ديوي ربما يرى الاحتباس العالمي كنتيجة للحسابات الخاطئة لأهدافنا الجمعية والطرق المتعلقة بالتكنولوجيا والبيئة. الحل المحتمل لديه يستلزم تقييم الكيفية التي تأثرت بها تنميتنا (بعدة مستويات) بهذه الظاهرة، ومن ثم نعيد تقييم أفضل طريقة لاستعمال التكنولوجيا المسؤولة عنها.‏‏

تصوره الراديكالي الديناميكي غير المقيد لكل من الطبيعة والطبيعة الإنسانية سيجعل هذه التقييمات شائكة جداً، فإذا كانت الطبيعة والتطور الإنساني في تدفق أبدي ودائم، ليس لهما بناء متأصل، وكانا يطوران باستمرار بيئة من علاقات متبادلة هما جزءاً منها، عندئذ سيصبح من الصعب جداً حتى تعريف ماهية البيئة الطبيعية دعك عن معرفة ما هو مؤذي أو غير مؤذي لها. لاشيء هناك باطني أو ضروري للطبيعة وفق رؤية ديوي. إنها خطة لا تنتهي أبداً حدودها لا يمكن تعريفها و»هدفها» هو مسالة تفسير. ما إذا كانت السياسات الحالية مفيدة أو مؤذية للطبيعة هي مسالة تفسير أيضاً. وإن تفسيراتنا هي غير مؤكدة وتتغير مع كل تغيير مؤقت في القيم والحاجات والرؤى العالمية.في الحقيقة، إن روح برجماتية ديوي ترى أن هناك طرق لاتزال غير متصورة فيها قد يعمل الاحتباس الحراري العالمي فعلاً على تعزيز طاقات الإنسان وتحسين البيئة.‏‏

من جهة أخرى، جواب هايدجر ربما لا يمكن التنبؤ به لو أنه اختار الإجابة. البعض اقترح أن لديه جذوراً واضحة في رفضه للعلم والتجارة والثقافة الحديثة عموماً. آخرون ادعوا أن الأفكار شبه الأسطورية مثل الحرية والوجود واللاشيئية التي سيطرت على كتاباته الأخيرة قادت إلى عدم الاهتمام بالشؤون العالمية. آخرون اقترحوا وجود دوافع أنانية خلف عدم رغبته بالدخول في هذه القضايا الشائكة. ومهما كانت الأسباب، فإن هايدجر ادّعى بأن الإنسانية والطبيعة وصلتا الآن إلى نهاية إمكاناتهما وأن الإنسانية لا يمكن أن تأمل في «صنع» طرقها في ظل الاستياء الروحي الناجم عن اغترابها عن الوجود بوسائل العلم والتكنولوجيا. الوجود استنزف الآن إمكاناته في لاشيئية، هذا يكشف ذاته في الثقافة المعاصرة كعدمية ولا معنى. الحضارة العالمية سُيطر عليها من جانب الفكر البراجماتي الذي لا شيء فيه ذو قيمة داخلية مقدسة. انحدار الطبيعة إلى منزلة تكون فيها مجرد مصدر للتكنولوجيا والصناعة هو مثال لهذه العدمية. لسوء الحظ، هايدجر يقول أيضاً إن أي محاولة لتصميم حل علمي آخر لهذا المأزق سيكون استمرارية للتفكير العدمي الذي هو سبب المأزق. السياسات العامة المتولدة علمياً، المبادرات الإيكولوجية والتعليمات البيئية هي جزء من نفس الذهنية التي تؤطر أو تشيئ الطبيعة عبر السيطرة واستغلالها بالعلم والتكنولوجيا. لا الإنسانية ولا الطبيعة يمكن استعادتهما وحمايتهما بهذه الطريقة. في الحقيقة، طالما الأمل الوحيد لمواجهة أصيلة مع الطبيعة (الوجود) تستلزم الإعجاب بها بحرية ذلك يعني (تركها لتكون) بدلاً من محاولة تغييرها أو تحسينها. هايدجر يبدو أنه يدّعي أن عدم التدخل وعدم الفعل هو أحسن طريقة للعمل. نحن يجب كما يقول أن ننتظر بصبر إلى صمت صوت الوجود ليكشف عن ذاته مرة أخرى. ولكن يجب أن يأتي إلينا من خلال ممارسة نوع من السكون فيه يتوقف في نهاية المطاف «جنون العقلانية».‏‏

إن ترجمة هذا إلى سياسة بيئية حقيقية هو مسألة تخمين لدى كل شخص. وإن المفسرين المعاصرين لهايدجر هم بالتأكيد يقومون بالمزيد من التخمين لكن بعض الإمكانات العامة تأتي إلى الذهن. بيئياً، هايدجر هو وارث ميراث أسطورية القرون الوسطى، المثالية الألمانية والرومانسية، وهو ملهم للكثير من التفكير المعاصر المرتبط بـ «الإيكولوجيا العميقة». هو يشجع على الشعور القوي بالوعي وتثمين العالم الطبيعي كمكان إقامة. مع هذا الوعي والتثمين ربما يأتي تحول عام في الوعي العام- تجلي متجدد للوجود – الذي يمكن أن يقود بدوره إلى طريقة جديدة في إقامة حقيقية أو العيش بانسجام مع العالم الطبيعي.‏‏

مثل هذا العيش سيقود بسهولة إلى سياسات تحافظ على هذا الانسجام. غير أننا لا نستطيع عمل هذه السياسات ما لم يحدث أولاً تحول في الوعي.‏‏

إن آراء ديوي هي منسجمة مع روح العلم البراجماتي والتكنولوجيا والتجارة، وهي يمكن تطبيقها بسهولة على السياسات البيئية الملائمة مثل تكنولوجيا قليلة الكربون في الصناعة، وتعليمات دولية بخصوص الانبعاثات الغازية من البيوت الزجاجية، ومعايير بيئية وفق بروتوكول كايوتو. هذه هي ابتكارات مؤقتة ومرنة صنعتها الأحزاب السياسية والتجارية ذات المصلحة وهي مرتكزة على استنتاجات مؤقتة وغير مؤكدة وعرضة للمراجعة. ديوي لا يشترك مع هايدجر في عدم تعاطفه مع الحداثة، وهو يرى المشاكل البيئية كحوافز لبحوث أخرى وتحسينات بدلاً من أن تكون نهاية القدرات الإنسانية.وبينما يوافق ديوي على الوعي الهايدجري والإعجاب بالعالم الطبيعي لكنه يرى هذا فقط مقدرة واحدة من بين العديد من القدرات التي يمكن استخدامها لحماية وتحسين البيئة الطبيعية التي تشكل الإنسانية جزءاً مكملاً لها. إن محادثات التغيرات المناخية القائمة في معهد الأرض بجامعة كولومبيا والتي يبحث ويتبنّى فيها مختلف العلماء والشركات والمنظمات المدنية وجماعات الفعل السياسي من كل العالم، وبيانات شمولية حول العلم البيئي والسياسة، تبدو بالضبط نفس ذلك النوع من المبادرات التي يدعمها ديوي.‏‏

وإذا كانت آراء هايدجر تبدو متطرفة من حيث ضرورات التطبيق في موقفنا الحالي، فإن اتجاه ديوي الأكثر عملية هو حساس للنقد الهايدجري. هايدجر ربما يقول إن محاولة حماية وتحسين الطبيعة من خلال اللجوء إلى العلم هي محاولة يائسة تجعل المشكلة أكثر سوءاً. وقد يبدو بالفعل كل «حل» جديد للمشاكل الطبيعية في النصف القرن الماضي قد خلق مشاكل جديدة، آخرها فقط الاحتباس الحراري العالمي. (بعض الحلول العلمية المقترحة هي مثيرة للتشاؤم بدءاً من مظلات عملاقة لحماية الفضاء أو إطلاق مواد غازية في طبقات الجو العليا، إلى نشر غيوم مائية في الهواء من المحيطات). وهكذا فإن اللاّتطبيقية في أفكار هايدجر العميقة تجعلها عملياً أفكاراً تستحق الدراسة. من الواضح أن الانهيار البيئي هو نتيجة لتأثير التكنولوجيا والتجارة على العالم الطبيعي، وأن التقدير الذي يدعو له هايدجر سوف يخلق اهتماماً واحتراماً عميقين للطبيعة. ما نحتاج إليه لحماية البيئة في المدى البعيد هو ليس العلاجات القصيرة المدى وإنما لنوع من التحول في الوعي العام العالمي بدلاً من ابتكارات تكنولوجية ديوية أخرى.‏‏

إضافة تعليق
اسم صاحب التعليق:
البريد الإلكتروني لصاحب التعليق:
نص التعليق:
 

العدد:906 2018/6/12

الأعداد السابقة

اليوم الشهر السنة
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية