تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
العدد:906 2018/6/12
طباعةحفظ


دراما ٢٠١٨ مهارة تمثيلية ونصوص ضعيفة

ملحق ثقافي
2018/6/12
نائل عرنوس

ثمة نقاط بالغة السلبية وبالغة الخطورة فيما يعرض على شاشتنا الصغيرة من زوايا عدة، كما أن نقاطاً إيجابية لا نستطيع إغفالها فيما رسخته هذه الدراما منذ مدة طويلة وليس آخرها هذا الموسم ٢٠١٨ على الساحتين المحلية والعربية.

فبعد متابعة عينة من بعض الأعمال «مذكرات عشيقة، الوهم، وردة شامية، الغريب، فوضى، طريق، الهيبة روزنا» تبرز أمور سأتحدث عنها حسب تواردها في ثنيات كل عمل بعد جلاء وتبيان المسارات وحل العقد وانتقال الحبكات إلى المراحل الأخيرة من كل عمل. وألخص بإيجاز زعمي هذا وفق عناوين هي:‏‏

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

١- الفكرة: حملت كل الأعمال أفكاراً متنوعة تتجه في غالبها لتصب في محيطها ومصبها الواقعي، بمعنى أننا نستطيع تسميتها دراما الواقع بامتياز، لكن: السؤال هل عمد الكتاب إلى هذا الواقع واختيارهم لصوره وصبها في العمل دونما دراسة دقيقة للهدف والمخرج التنويري والأخلاقي والثقافي لهذه المواقف والصور وأثرها على الجيل المستهدف؟ وهل أن الأفكار التي اختيرت وقام البناء الفني عليها برمته جديرة بهذا الجهد الذي بذل عليها مادياً ولوجستياً؟ وكي أوضح أكثر مع تأكيدي واقتناعي أن المرحلة التي يجب أن نعيها ونعي ما تتطلبه بعد سني الحرب لا تحتمل أن تكون أهداف العمل ترفيهية وحسب أو توصيفية فقط أو مقتصرة على التطهير النفسي لمخزونات النفس التي ترزح تحت وطأة الهموم والأوجاع وتنفيس ضغوطاتها، بل إنني أزعم وأرى أن الفن بكل أجناسه والدراما حكماً ينبغي أن تكون كل رسائله ومخرجاته تصب في تلمس الحلول ومعالجة التداعيات التي أفرزتها الحرب لا أن تكون وفق المقولة الشعبية «فشة خلق» لاستمرار حالة الخدر والسلبية والهذيان والذهول الذي خرج به إنسان هذه الحرب بكل فئاته العمرية من هول ما حدث، وعدم الاكتفاء بحشر كل الصور السوداوية لهذا الواقع وتوصيف درامي لانهيار المنظومة الخلقية للمجتمع، فنحن لن نريد أن نعيش الحرب مرة أخرى من خلال الآثار النفسية المترتبة على إعادة مشاهدها بكل هذه الجرأة والتجرؤ. ثم يحق لنا السؤال: ما الحلول التي قدمتها هذه الأعمال؟ وما الدور الذي أخذته على عاتقها للنهوض بالإنسان بعد الحرب؟ بل إن أعمالاً زادت في عدوانية الإنسان زيادة على العدوانية والسلبية التي خرج بها من هذه الحرب. وأسأل هنا هل كنا بحاجة لاستحضار مزيد من الألم ومشاهد القتل على سبيل المثال من خلال إعادة تلميع وإحياء فكرة مبتذلة ومعروفة كـ «ريا وسكينة» وإعادة قولبتها في رداء شامي من خلال وردة شامية. ماذا أضافت هذه الفكرة وهذا الجهد، وما الحلول التي اجترحها؟ ولا أرى إن اعتمدت أن صوره تقوم على تحليل الواقع ونقده وحسب، لا أرى إلا أنه زاد في حالة الخوف والقلق والتجرؤ على موروثات وفضائل الأسرة الشامية (مشهد هدى التي يسطو راتب على منزلها وحيدة ويمارس معها الإرهاب الجسدي والنفسي الداعر وسط هذه البيئة التي عرف عنها الالتزام والمحافظة وخاصة الخلقية). وعوض عن استحضار التجرؤ على القتل، فنحن لسنا بحاجة لمزيد من هذه الأوحال بعد ما عشنا ولمسنا واقعاً.‏‏

ومثال آخر «الهيبة» هل يعيش الانسان العربي هذا الترف الباذخ ليعيد الكاتب استحضار هذه القيم والأمثولات البشرية البائدة والسيئة الذكر، كشخصية الفتوة في روايات القرن المنصرم؟ وهل كان الهدف مدروساً خلقياً ونفسياً واجتماعياً ليعاد تعزيز مثل هذه الشخصيات الخارجة عن القانون واستحضارها استحضاراً مخيفاً نراه في أعين الشبان وألفاظهم وربما لاحقاً في تصرفاتهم؟ ولا أنسى ماذا قدم هذا العمل للجيل غير التجرؤ على العبث في مستقبل الناشئة، فالجميع يريد ويميل لأن يكون جبل شيخ الجبل.‏‏

2-عبقرية النجم: أستطيع الجزم أن ما أعطى هذه الأعمال هذا الزخم هو عبقرية الفنان والممثل وما يختزنه هذا الفنان من موروث خبراتي صقلته السنون ودفعه إحساسه العالي للتصرف الذاتي في تحسين أداء الشخصيات الورقية وتجسيدها بطاقات عالية مشحونة بإبداعات إخراجية لجيل سنذكره. ومن الشخصيات أبدأ بإبداع الفنانتين الخارقتين شكران مرتجى وسلافة معمار في وردة شامية وعبد المنعم عمايري وفادي صبيح اللذان أضافا درساً للمثل القادم كيف يكون العمل على الشخصية وكيف يبدع الفنان بالارتقاء بدوره، ليكون الرافعة التي قد ترفع العمل برمته. كذلك الفنان تيم حسن، وهذه النجومية الفذة، وكذلك عابد فهد في «طريق». وهذا التجديد في المسار والمبدع الكبير بسام كوسا في «روزنا»، وغيرهم من الفنانين المبدعين الذين لا مجال لذكرهم جميعاً هنا. إذ أجزم أن نجومية الفنان السوري خاصة هي من نجحت مع تواضع الأفكار التي أكاد أجزم أن الجهد المبذول في تتبع الأهداف النفسية لمردود العمل وأثره مع بعض الاستثناءات بالطبع، وأشير هنا إلى مجموعة رائعة من الممثلين الشباب الواعدين هيا مرعشلي، وصاحب شخصية المهلب بن أبي صفرة ويارا في مسلسل الغريب هم طاقات كبيرة وواعدة.‏‏

٣- التجرؤ القبيح المخيف:‏‏

من خلال زعزعة العلاقة بين الابن ووالديه. وهنا سأستعرض بعض المشاهد لعلها تكون أبلغ في توصيف تواقح الابن على والديه وسأنهي بسؤال.‏‏

. مشهد سامر في مسلسل الغريب ودفعه لأبيه وتمرده العنيف على والده رؤوف.‏‏

.مشهد يارا كذلك في مسلسل الغريب والحديث العنيف مع والدتها.‏‏

. مشهد الفتى الصائغ في وردة شامية الذي يرفض أبيه أن يعمل ابنه بالربا وتعامله مع شاليط اليهودي وتمرد الابن على لأب.‏‏

. مشهد خالد في وردة شامية الذي يدفع خالته هدى ويرميها أرضاً دون مراعاة أنها أم ثانية.‏‏

. مشهد سيف مع والدته في مسلسل فوضى وإمساك يد والدته وتهديده لها بالكسر.‏‏

السؤال الكبير: هل يعلم كتابنا الكبار أننا نخجل ونشعر بالحرج ونحن نشاهد أبناءنا يتابعون مثل هذه المشاهد؟ وما الأثر الخلقي الذي سيتراكم لدى ناشئتنا الذين حطمت الحرب الكثير من مناعتهم لنفتح لهم الكيفية التي تتطاول بها على والديك؟ لا شك أن ذلك عبث مرفوض.‏‏

٤- المشاهد الخادشة للحياء بكل ما تحمل الكلمة من معنى من خلال المشاهد الإيحائية الجنسية. ولكم أن تتصوروا هذه المشاهد منظورة للأبوين والأبناء وكمية الحرج.‏‏

كذلك قضية الدعارة والرقيق الأبيض، والقضية الأهم التعاطي الأخطر لشبابنا للحشيش والمخدرات فضلاً عن قضية التطاول وانهيار الاخلاقيات ما بين الأبوين وأبنائهما.‏‏

٥- المكان والبيئة: أظهرت معظم الأعمال الانحدار التام للبيئة السورية على كل الصعد والنواحي، وأظهرت بسوداوية مبالغة المجتمع السوري حالك الظلمة والبؤس، وهنا أقول أن حيفاً وظلماً كبيرين تجاوز فيهما الكتاب الحد الأقصى؛ فالبيئة السورية إبان الحرب ليست بكل هذا السوء، وإلا لانجرفت كينونة الوطن وذابت، فلا تزال هناك واحات مضيئة في هذه البيئة ولا يزال في مجتمعنا أناس طيبون يعرفون للخير طريقاً.‏‏

٦- الوطن الغائب الأكبر: انهمكت الأعمال في عمومها في حالة التوصيف وعكس الواقع دون أي تحليل ووضع رؤى ونظرات إصلاحية لمعالجة هذا الواقع. قد يقول قائل ليس هذا واجب الفن وليست وظيفته اجتراح الحلول. والجواب يكون: هل رسالة الفن فقط الإمتاع والمؤانسة، وقد ورثنا حرباً حطمت أركاناً عديدة في جنبات هذا الوطن الجريح الذي لم يحظ بالكثير في حيثيات هذه الأعمال. ها نحن سنتم السنة الثامنة من الحرب ولا نزال نوصف ونعيد تكرار المكرر ومشهدياته ونجتر ما عرفناه وحفظناه ووثقناه بالألم والدموع.‏‏

وهنا أتساءل: ألا ينبغي أن تلحظ الأعمال الرؤى التي ينبغي مراعاتها من أجل مواجهة تداعيات الحرب الظالمة في حدها الأدنى؟ وأليس من المجدي أن تخضع هذه الأعمال لرقابة نفسية وخلقية لأن فئة الشباب هم أكثر المتابعين والمتأثرين بها؟‏‏

إضافة تعليق
اسم صاحب التعليق:
البريد الإلكتروني لصاحب التعليق:
نص التعليق:
 

العدد:906 2018/6/12

الأعداد السابقة

اليوم الشهر السنة
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية