تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
العدد:906 2018/6/12
طباعةحفظ


المتنبي والمتتاليات الحكائية

ملحق ثقافي
2018/6/12
ناظم مهنا

أعتقد، لو أن قاصَّاً حديثاً أراد أن يستثمر حكائياً في سيرة حياة المتنبي، لوجد نفسه أمام مَنْجَم ربَّما يحتاج إلى حيوات عديدة له ولآخرين معه ولا يستنفد ما في هذا المنجم. كما هو معروف، الكتب التي كُتبت عن حياة المتنبي قديماً وحديثاً كثيرة جداً،

ولا يزال يُكتَب، ولا تزال سيرة هذا الشاعر الاستثنائي تُقدِّمُ بؤر جذب وتبرز فيها ألغاز جديدة، لا يكاد لغز يُحَلُّ حتى يُولدَ لغز جديد. ومن منطلق بورخيسي محض يمكن عدُّ حياة المتنبي بمنزلة متاهة شديدة التفرعات. وخبراء السرد يعرفون قيمة المتاهة في سرد ما بعد الحداثة، ليست متاهة تحت أرضية كما في الأسطورة اليونانية، أسطورة «المينتور» (الوحش الخرافي) بل على العكس نحن أمام متاهة من نوع مختلف، واقعية جداً، أفقية على سطح التاريخ، وهذا مَكْمَنُ فرادتها، لها زمان ومكان، بطلها وأشخاصها الثانويّون موجودون ومعروفون للقراء وللدارسين.‏‏

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

شاعر منذ ولادته، شاءت الظروف أو الأقدار أن يكون الشاعر الأعظم في العربية، وأن يلفَّ حياته الغموض والكتمان، وأن تختلف الدنيا حوله، إن اتفقوا على شيء اختلفوا حول أشياء كثيرة، قد تبدو غير مهمة، لكنها مهمة جداً من الناحية الدرامية. اتفقوا، أولاً، على أن ولادته كانت بالكوفة، لكن، اختلفوا حول اسمه الكامل ونسبه واسم أبيه، ونشأته، والمدارس التي تعلّم فيها، ومعتقده ومصادر شعره ومعرفته، هل هو ابن عبدان السقاء أم عيدان السقاء أم ابن حسين الجعفي؟ هل هو من الجعفيين أم هو من الطالبيين؟ قحطاني أم عدناني؟ وهل أحبَّ خولة أخت سيف الدولة أم لم يحبَّ؟ وهل ادّعى النبوة أم كان ذلك افتراء عليه، ولمَ سمي بالمتنبي؟!... إلى آخره، وإلى آخر لحظة من حياته الحافلة بالأحداث والصعود والهبوط، حتى قال عن نفسه: «على قَلَقٍ كأنَّ الريحَ تحتي/ أوجِّهها جنوباً أو شمالاً».‏‏

كان المتنبي يعرف قيمته الشعرية، وهو القائل: «وما الدَّهرُ إلا من رواةِ قصائدي/ إذا قلتُ شعراً أصبح الدَّهرُ مُنْشداً..» وفي القصيدة نفسها قال مخاطباً الأمير الحمداني في حلب: «ودعْ كلَّ صوتٍ غيرَ صوتي، فإنني/ أنا الطائر المحكِيُّ والآخرُ الصَّدَى».‏‏

ولكن، كان طموح المتنبي السياسي أكبر بكثير من إمكانية التحقيق، فزاد ذلك حياته قلقاً وعدم استقرار.‏‏

شخصية المتنبي ليست شخصية بسيطة يمكن أن تُختزل في كلمات، وقد أسهم هو في جعل شخصيته أكثر لبساً وغموضاً، على الرغم من أنّه كان كثير الاعتداد والتفاخر والتكلّم عن ذاته، إلا أنه كان أيضاً شديد الحذر، لا يفصح عن كلِّ شيء في نفسه، عنده كتمان لأمور لم يصرِّح عنها لا بالتورية ولا بزلات اللسان. هذا الغموض الذي جاء مصادفة أو اختلقه الشاعر أو حاكه العصر المضطرب الذي عاش فيه، هذا الغموض، ترك الباب مفتوحاً على مصراعيه للتخمينات والتأويلات التي لا تُعدُّ ولا تحصى، باب لا ينغلق لشدة ما يتدفق منه، كان شاعرنا مالئ الدنيا وشاغل الناس، كما يقولون.‏‏

خاض المتنبي في تفاصيل كثيرة، وأخفى أشياء كثيرة جداً، ويعتقد بعض قراء المتنبي أنَّه كان مرغماً على الكتمان، ولكنني أعتقد أنَّه في كثير من الأحيان لم يكن مرغماً، بل لغاية في نفسه. غاية نابعة من مصلحة ذاتية، أو بدافع اللذة في الغموض، واللذة مصلحة وغاية في نهاية الأمر، عند بعض الناس. كما أنني أرى أن اللعب من الدوافع الفردية التي تستحق أن تؤخذ بالحسبان.‏‏

قال المتنبي إنَّه يفخر بنفسه لا بجدوده، على الرغم من مكانتهم المرموقة، وكان بالإمكان أن يُسمِّي أمَّه وأباه، وما من حرج في ذلك، بعد أن بلغ هذه المكانة العالية بين الناس، لكنَّه لم يفعل، ولم يذكرهما في شعره ولا في رسائله ولا في أحاديثه الشخصية التي رُويت عنه، حين نعى جَدَّته، جعل العالم يتصوَّر مكانة جدته العظيمة التي لا يسمو إليها الشك، فإنَّ عَظَمتها لا ترجع إلى نسبها الرفيع وحسب، ولكنها ترجع إلى أنّها أمٌّ له كذلك.‏‏

دائماً يواري أشياء ويجعل مَنْ بَعْدَهُ يُنقِّب محتاراً فيما وراء الكلمات والأسطر دون حسم أو يقين! أليس بارعاً في صناعة المتاهة؟!‏‏

عند المتنبي ما يكفي من الشعر العالي الذي يجعلنا نتشبَّع بالنشوة من تذوقه، ومن أراد أن يكتفي بذلك، فهو على حق، وسيحظى المتنبي بمكانته اللائقة في نفسه. وللفضوليين وللحكائيين ترك المتنبي معيناً لا ينضب عبر العصور!‏‏

أعظم المعجبين بأحمد بن حسين الجعفي، شاعرنا الخالد أبو العلاء، الذي جعل منه موضوع حياته تقريباً. درَّسه لطلابه في المعرَّة وشرح شعره تحت عنوان عبقري باسم: «معجز أحمد». لم يشغل المعري نفسه بالأمور الجانبية التي تتعلق بحياة أستاذه في الشعر، وهذا موقف مفهوم ومسوَّغ لشخصية كشخصية أبي العلاء. إذْ كان معنيّاً بشعر صاحبه لا بحياته أو بقصصه اليومية.‏‏

يقول المعري عنه: «عُلِمَ أنَّ أحمد بن الحسين كان شديد التفقّد لما ينطق به من كلام، يُغيِّر الكلمة بعد أن تُروى عنه، ويفرُّ من الضرورة وإن ألجأه إليها الوزن».‏‏

يُروى أن أبا العلاء وقف عند بيت المتنبي الذي يقول فيه: «أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي...» وقال: «إيِّايَ عَنَى، كان يراني بعين الغيب».‏‏

وتنقل بعض الروايات المعاصرة للمتنبي أن أخاً له كان ضريراً يجلس على جسر بغداد، يأخذ ما يقدمه له المتصدقون الخيرون، على ما أظن، لم يذكره الشاعر مطلقاً. ولا يوجد يقين إذا ما كان هذا الأخ موجوداً في الحقيقة، أم أن صناع الحكايات اختلقوا وجوده بدافع ذَمِّ المتنبي، الذي يُفترَض أن يُعين أخاه ويغنيه عن التسول، أو اختلق الرواة هذا الشقيق الضرير بدافع التشويق والإثارة.‏‏

أيضاً، رُويت حكايات عن بخل الشاعر، لكن ابن عساكر في ترجمته لحياة المتنبي عن مخطوطة كتاب «الإبانة» للعميدي والتي وردت في كتاب «المتنبي» لمحمود محمد شاكر، يجعل المتنبي يتحدَّث مسوغاً بخله، وهي حكاية طريفة تشير إلى عقدة نفسية لازمت المتنبي منذ صغره جعلته يحلم طوال حياته بالغنى وبامتلاك مئة ألف دينار!‏‏

أزعم أنني قرأتُ المتنبي وقرأتُ عنه، ولم أكن أعلم إلا منذ أيام أن له أختاً شاعرة، قالت في مقتل أخيها أبياتاً، وردت في ترجمة «ابن العديم»:‏‏

يا حَازمَ الرأي إلا في تَهَجُّمِهِ‏‏

على المَكارهِ غابَ البدرُ في الطَّفَلِ‏‏

لَنِعْمَ ما عاملَتْكَ المُرْهَفَاتُ بهِ‏‏

ونِعْمَ ما كنتَ تُوليها مِنَ العَملِ‏‏

الأرضُ أُمٌّ أَصَبْناها بواحِدِها‏‏

فاستَرْجَعتْهُ وردَّتْهُ إلى الحَبَلِ‏‏

هذه أبيات، في اعتقادي من أروع الشعر في باب الرثاء، وذروتها في البيت الثالث. ولم أصادف هذه الأبيات إلا منذ أيام، وشعرتُ أنَّ بإمكاني أن أسترسل وأكتب عنها عشرات الصفحات والتداعيات حول الشعر والشعراء، والقرابة والنسب، وفلسفة الحياة والموت... وكانت بالنسبة إلي بمنزلة الجديد المكتشف.‏‏

إذاً، الحكايات كثيرة عن المتنبي، والمتتاليات الدرامية المتوالِدة أو المتناسِخة كثيرة جداً يمكن أن يستفيد منها كتّاب السرد القصصي والمسرحي وكتّاب الدراما والسينما، ويكتشفوا فيها دائماً ما هو مثير وجديد.‏‏

إضافة تعليق
اسم صاحب التعليق:
البريد الإلكتروني لصاحب التعليق:
نص التعليق:
 

العدد:906 2018/6/12

الأعداد السابقة

اليوم الشهر السنة
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية