تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
العدد:906 2018/6/12
طباعةحفظ


اللوحة التراثيّة بحث عن (الهُويّة) أم تملص من (القرين الغربي)؟

ملحق ثقافي
2018/6/12
د. محمود شاهين

أصبح عدد كبير من مزاولي الفنون التشكيليّة (الرسم والتصوير، النحت، الحفر المطبوع) إضافة إلى السينما والدراما التلفزيونيّة والموسيقا وغيرها من أجناس اللغات التعبيريّة التقليديّة والحديثة، يولون موضوع «التراث» بأشكاله وصيغه المختلفة،

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

اهتماماً ملحوظاً، ولاسيّما خلال العقود الثلاثة الماضية، حيث يقومون بالبحث والتنقيب عن أبرز مظاهره ورموزه، لتوظيفها في منجزاتهم الفنيّة (خاصة البصريّة) مدفوعين بجملة من الهواجس والمحرضات منها: احتدام السجال حول أهمية التراث وضرورة تضمينه الأعمال الفنيّة المعاصرة، والشغف الشديد الذي أبداه المتلقي العربي والغربي،‏

بالجماليات التي يكتنز عليها هذا التراث. وفي الجهة المقابلة، يتعرض هذا التراث لهجمة شرسة من قبل المعولمين تهدف لتفتيته وإلغائه، تهيئةً وتوطئةً لتمرير الأنموذج الأممي الواحد، على شعوب الأرض كافة، لتبدو كجسد مقطوع الرأس، لا يدري من أين جاء، ولا إلى أين يمضي. أي تحويل الناس إلى عجماوات مُدجنة ماركة واحدة.‏‏

ظاهرة تتكرس‏‏

فقد أخذت ظاهرة توجه الفنان التشكيلي العربي المعاصر نحو استخدام مفردات تراثيّة في منجزه الفني، تزداد وتتكرس، مُشكّلةً حالةً لافتة، تتعايش مع غيرها من الاتجاهات، وفي الوقت نفسه تسعى جاهدة لتحقيق مشروعها الخاص، في خلق فن قومي عربي، يغرد خارج سرب الفنون الغربيّة. ولتحقيق ذلك يعمد الفنان التشكيلي العربي المعاصر إلى عدة صيغ وخيارات، لعل أبرزها وأهمها (الحروفيّة) التي تتخذ من المعطيات التشكيليّة المطواعة للحرف العربي، متكأً للخروج بمنجز بصري معاصر، يحمل خصائص ونبض المكان الذي جاء منه، وكشوفات وإضافات الزمن الذي ولد فيه.‏

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

يُضاف إلى ظاهرة (الحروفيّة) ظاهرة مواكبة لها هي لجوء بعض الفنانين التشكيليين لاستلهام المشغولات والحرف اليدويّة الشعبيّة التراثيّة، وذلك من خلال استعارتهم لبعض حمولاتها من الزخارف والخطوط والتزاويق والكتابات، أو انتخاب المتميز الجميل والمعبّر منها، وترتيبه ضمن تكوين مدروس ضمن المحترف، ثم القيام بنقله إلى لوحة تراثيّة المضمون والمحتوى، تتحول فيها الخطوط والألوان والعناصر والمفردات، إلى وليمة بصريّة ساحرة في شكلها ودلالاتها، تحتضن موضوعاً تراثيّاً أنيساً ومحبباً وثرياً، تتكاثر هذه الأيام، الأبصار والبصائر العربيّة الباحثة عن هذه الوليمة البصريّة، نتيجة فقر وبؤس الواقع الذي تعيش فيه بمثل هذه الولائم، ما حوّل الأعمال الفنيّة المعجونة بروح التراث، إلى إحدى أبرز وسائل استعادة الإنسان العربي لملامح الزمن الجميل الذي عاشه الأجداد والآباء والبعض الباقي على قيد الحياة من مواليد العقود الأولى والوسطى للقرن الماضي.‏‏

الزمن الجميل‏‏

وكنتيجة للحروب والتعقيدات والهموم والمشكلات والحصارات التي تعصف بواقع الإنسان العربي المعاصر، يقوم بالبحث اليوم، وبشغف شديد، عن كل ما يمكن أن يذهب به بعيداً عن هذا الواقع البائس، وبالتالي عن كل ما يُقرّبه من الزمن الجميل المنسحب تدريجياً من هذا الواقع، سواء كانت لوحة فنيّة، أو منحوتة، أو محفورة مطبوعة، أو صورة ضوئيّة أو فيلماً، أو مسلسلاً إذاعياً، أو تلفزيونياً، أو أغنية، أو مشغولات تنتمي إلى هذا الزمن البعيد والقريب الذي لم يعد الرحيل صوبه، بهذا الشكل أو ذاك، مقتصراً على من عاش جانباً منه، وإنما طاول الجيل الشاب الذي يعاني من حيرة الانتماء، وفقدان البوصلة. كل هذا دفع بعدد من الفنانين التشكيليين العرب المعاصرين للبحث عن الجماليات المترفة التي احتضنتها الفنون والمشغولات القادمة من أزمنة وأحقاب تاريخيّة مختلفة، ومن ثم إعادة طرحها في منجزاتهم الفنيّة، مدفوعين بهاجسين اثنين: الأول تناغمهم وإعجابهم وارتياحهم الشخصي لهذه الجماليات، والثاني هو الإقبال الشديد الذي لمسوه لدى المتلقي العربي، على هذه الجماليات المُجسدة في جنس من أجناس الفن التشكيلي، أو مشغولة يدويّة شعبيّة،‏

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

ونقل هذا الأثر الفني إلى بيته. أي أن الفنان، توجه إلى هذا النوع من الفن، بتأثير من الحالة التسويقية النشطة التي طاولته، وتسويق العمل الفني، قضية مهمة بالنسبة للفنان الذي يعيش من فنه. وهكذا بدأت ظاهرة استلهام التراث (بأطيافه المختلفة) في الأعمال الفنيّة المعاصرة تتنامى لامةً حولها المزيد من الفنانين الذين ظلوا إلى حين، منشغلين بقضايا وأمور أخرى لا تمت إلى التراث بصلة، والعديد منهم، انخرطوا في هذا التوجه من دون قناعة، وإنما تماشياً مع الرائج والمطلوب في السوق المحلي والعربي، وهذا ما أدى إلى تفاوت كبير في سويّة الأعمال الفنيّة التي اتخذت من التراث مادة لها. لاسيما تلك التي اتخذت من جماليات عمارة البيت الشعبي العربي ومحتوياته، مادتها الرئيسة، إضافة إلى الحياة الشعبيّة نفسها التي كانت ولا تزال الحاضن الحقيقي للتراث الحي، فهي رحمه الحنون الذي يتوالد فيه ويستمر، تارة في الإنسان الشعبي نفسه (في عاداته، وتقاليده، وتفكيره، وسلوكه) وتارةً أخرى، في عمارته، ومشغولاته اليدويّة، وحِرفه التقليديّة وما تحمل من محسّنات جماليّة تعكس نظرته الفلسفيّة للحياة، وتُمثل في الوقت نفسه، رداً طبيعياً على محيطه الطبيعي والاجتماعي، الأمر الذي جعل حاجاته الماديّة والروحيّة تتشابك وتتماهى إلى حدٍ بعيد.‏‏

هذا التراث الحي المستمر في بنية الإنسان الشعبي وبيته ومحتويات هذا البيت، هو ما يشتغل عليه الفنان التشكيلي العربي المعاصر، باحثاً ومنقباً فيه عن العناصر والمفردات القادرة على أن تسعفه بالخروج بمنجزٍ بصريٍ جديدٍ، يجمع بين الأصالة والحداثة، وبين التراث والمعاصرة، مدفوعاً برغبة داخليّة عارمة، للإنعتاق والتملص من التبعيّة العمياء للقرين الفني الغربي الذي دأب على استنساخه، والنسج على منواله، منذ استعاد تواصله مع هذه الفنون، أواخر القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين.‏‏

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

تعدد الصيغ والأشكال‏‏

أخذت ظاهرة التململ والبحث عما يمكن أن يمنح المنجز التشكيلي العربي المعاصر هُويّة محليّة، أشكالاً وصيغاً مختلفة. ففي التشكيل السوري (على سبيل المثال) قام أغلبية رواده المعاصرين بمعالجة الموضوعات التي اشتغل عليها الفنان التشكيلي الغربي، ما قادهم من دون قصد إلى هذه الهُويّة المتمثلة باستلهام التاريخ البعيد والقريب للأمة العربيّة، لاسيما محطاته السياسيّة والعلميّة البارزة (معركة حطين والقادسية واليرموك والقدس، ومجالس العلماء والأندلس) أما الفنانون الذين عالجوا مثل هذه الموضوعات في أعمالهم فهم كثر نذكر منهم: توفيق طارق، سعيد تحسين، عبد الوهاب أبو السعود، خالد معاذ. البعض الآخر منهم، توجه نحو الأوابد الأثريّة والتاريخيّة، والحياة الشعبيّة كالفنان صبحي شعيب، ومحمود جلال، وزهير الصبان، وميشيل كرشة، وأنور علي الأرناؤوط، وممدوح قشلان، وناظم الجعفري. الجيل التالي توجه للبحث في تفصيلات ورموز بارزة في الفنون الشعبيّة العربيّة والإسلاميّة، لاستخدامها مُتكآت في أعمالهم، تُشير إلى هذه الهُويّة كالوحدات الزخرفيّة الهندسيّة والنباتيّة والخط العربي، إضافة إلى الأشكال المشخصة، كما فعل الفنانون: ناجي عبيد، عبد القادر أرناؤوط، تركي محمود بك، عيد يعقوبي، معد أورفلي. فنانون آخرون اكتفوا باستخدام الحرف العربي عنصراً أساساً في بناء لوحاتهم، وهم الذي عُرفوا بـ (الحروفيين) ويمثلهم: محمود حمّاد، محمد غنوم، سامي برهان، سعيد نصري، سعيد الطه، محمد الحسن الداغستاني.‏‏

وهكذا تتالت أجيال الفنانين التشكيليين السوريين الراغبين بالتمايز، عن طريق توظيف عناصر ومفردات تراثيّة في أعمالهم الفنيّة، أو عن طريق رصد الإنسان الشعبي ضمن حالات حياتيّة يوميّة يعيشها في منزله، أو مكان عمله، أو تصوير عمارته القديمة.‏‏

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

القرين الغربي‏‏

سكن هاجس توظيف التراث في العمل الفني المعاصر، القليل من الفنانين التشكيليين السوريين، أما أغلبيتهم، فقد اكتفوا بتلقف ما تفرزه الفنون الغربيّة من اتجاهات ومدارس وأساليب، والنسج على منوالها، ما جعل لكل منهم قريناً فنياً في الغرب، يقلدونه في مواضيعه وتقاناته وأسلوبه وانعطافاته، مع ذلك، ظل التشكيل السوري المعاصر حتى اليوم، بعيداً عن الاتجاهات المتطرفة في عبثيتها واستعراضاتها البهلوانيّة المُغرقة بذاتية أصحابها والتي غالباً ما تأتي تقليداً أعمى، لكل ما هو غير مألوف، رغبةً من ممارسها بإثبات وجود لم يتمكن من إثباته بوساطة وسائل التعبير التقليديّة السائدة والمعروفة، القائمة على تاريخ الفن الطويل، وتراكم معارفه النظرية والتقانية، ومرد ذلك وعي الفنان التشكيلي السوري، والتزامه الذاتي بالفن القادر على أن يخدم قضية وطنيّة أو اجتماعيّة أو جماليّة، والقادر في الوقت نفسه على أن يتواصل مع القطاع العريض من الناس، رغم أن مغريات كثيرة تُقدم لهذا الفنان من جهات محليّة وعربيّة وعالميّة، للانزلاق إلى فنون الحداثة المتطرفة الهادفة إلى تحويل الفن لمجرد استعراض وتهريج، عبر لافتات ومقولات مُضلِلَة، تساهم فيها جهات وطنيّة وعربيّة وعالميّة، تعمل جميعها ضمن جوقة المعولمين الهادفين إلى تدمير قيم الفن الرفيعة، وجمالياته الخالدة، لصالح بشاعة منفّرة، تزيد يأس الإنسان المعاصر يأساً، وحصاراته حصاراً، بدل أن تساهم بخلخلتها وتقديم أسباب جديدة له للحياة وحب الحياة، وهذه أهم وأبرز مهام ووظائف الفنون في وقتنا الحالي.‏‏

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

إضافة تعليق
اسم صاحب التعليق:
البريد الإلكتروني لصاحب التعليق:
نص التعليق:
 

العدد:906 2018/6/12

الأعداد السابقة

اليوم الشهر السنة
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية