تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
العدد:906 2018/6/12
طباعةحفظ


الأخ الأكبر

ملحق ثقافي
2018/6/12
ميسون عيسى

مد يده في جيب سترته وأخرج لفافة تبغ ثم قرب إليها عوداً صغيراً مشتعلاً، وبدأ ينفث دخانه. إنها ليلة قارسة البرودة، بدت النار المشتعلة بمثابة قطعة لذيذة من الجنة،

استغرب الفكرة..! كيف تكون النار قطعة من الجنة، ربما...! كل شيء يتغير تبعاً للظروف.. نفخ على يديه وفركهما بسرعة ثم قربهما من النار.‏

الشمس شارفت على المغيب وهذه المنطقة معروفة بوجود الخنازير البرية.‏

تذكر هوايته في صيد الخنازير، كان يذهب مع أصحابه الذين أطلقوا عليه اسم الأخ الأكبر إلى الجرود، يسهرون ويتسامرون حول النار ويتصيّدون، حتى أنه في إحدى المرات اصطاد خنزيراً حياً وأخذه إلى القرية، وما زالت في ذاكرته صورة أهل القرية حين اجتمعوا حول الحيوان المربوط بإحكام إلى جذع شجرة البلوط في الساحة.‏

عاد ليحدق في الحطب الذي تحول إلى جمر. لم ينس بعد تلك الليلة عندما هرب مع أخيه ذات شتاء بارد من ظلم زوجة الأب، ثم قطعا الوادي الكبير الموحش سيراً على الأقدام، صبيين حافيي القدمين تعبين ومبللين في حالة يرثى لها وصلا إلى هذه القرية، أم لطفي السيدة العجوز قدمت لهما طعاماً وجففت ملابسهما، لم يكن لديها أولاد ولا حتى زوج، ولكنها عرفت بهذا الاسم منذ زمن بعيد، ومن لطف الرب أصبحت تعتني بهما كأولاد لها.‏

لم يأت أحد للسؤال عنهما، ولم ترغب أم لطفي في مغادرتهما فقد وجدت فيهما ما كانت تتوق إليه، وكما ينجذب النبت الطري الى دفء الشمس انجذب الطفلان الى اليد الحانية التي فاضت عليهما من أمومتها المحرومة، وهكذا مر الزمن سريعاً وأصبحا شابين، الصغير التحق بالجيش، أما هو فقد عاد إلى القرية بعد أن أتم خدمة العلم، لقد مضى على ذلك زمن.‏

تمعن في وجوه الرفاق، فيهم ملامح الأخ الحبيب الغائب، تلمس جسده الذي أصبح ثقيلاً، أغمض عينيه قليلاً، تذكر عيني أخيه، لونهما أخضر بلون الزيتون كعيني أمهما التي رحلت عن هذا العالم باكراً، كان يحب هذا الشعوره بالمسؤولية تجاه أخيه رغم أنه يكبره بعام وبضعة أشهر.‏

آخر مرة رآه فيها كانت في المشفى عندما طلبوا منه استلام جثته بعد أن استشهد في معركة ضد الإرهابيين.‏

أحداث تومض أمام عينيه وتتزاحم الذكريات بعيدة وقريبة، يستعيده صوت الضابط، لقد اقتربوا، ازدادت ضربات قلبه قوة وسرعة، كان العتم قد غطى الطريق السهلية تماماً، ليس في إمكان الناظر أن يرى سوى أشباح تتحرك في الظلام، عددهم كبير بالمقارنة مع مفرزة مكونة من بضعة جنود مسؤولين عن حماية القرية، وكان لا بد من معجزة كي لا يصلوا إلى مأربهم في دخولها، تمركز كل في مكانه وتهيؤوا لمعركة لا تبدو لصالحهم.‏

وسط استغراب الرفقاء نهض الأخ الأكبر بهدوء وتصميم ثم ركض كالنمر باتجاه المسلحين وفجأة أضيىء السهل كمدينة للألعاب النارية وأمام دهشة الرجال المتأهبين للمعركة تحول الرعاع إلى أشلاء، وبدا السهل وكأنه يحاول لفظهم من جديد.‏

إضافة تعليق
اسم صاحب التعليق:
البريد الإلكتروني لصاحب التعليق:
نص التعليق:
 

العدد:906 2018/6/12

الأعداد السابقة

اليوم الشهر السنة
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية