تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
العدد:906 2018/6/12
طباعةحفظ


أول الكلام...على ضفاف الجراح

ملحق ثقافي
2018/6/12
 ديب علي حسن

في البدء كان الكلمة، والكلم أكثر الأفعال منذ التكوين الأول استمرارية، وبقاء وقدرة على التغيير، على البناء والهدم، ولن يكون للكلام أي قيمة أو ثمر إن لم يكن محفوظاً في لوح أمين يعود إليه البشر حين يحتاجونه، فعلاً وثقافة وممارسة،

وإن لم يحفظ فهو مجرد صرخة في واد سحيق لن يسمعها أحد أبداً. وليس عبثا أن القدماء كانوا يعمدون إلى استئجار رواة لأخبارهم وأشعارهم، وتدوينها لتكون بين الناس، فهم خالدون ما دامت تروى وتتناقلها الألسن والشفاه. من هنا تأتي أهمية الحرف المطبوع، لأنه الأبقى في عالم متبدل متغير، فلا تغرنكم صرعة المواقع الإلكترونية، فهي حسب من أسسها سوف تزول قريباً، وهو الذي دعا الى توثيق كل شيء على الورق.‏

ترى كيف هو حال من يكتب بحبر العيون، ودم الشرايين ونبض القلب، ساعياً لأن يوثق حياة السوريين، يوماً بيوم وساعة بساعة، يقف على ضفاف الجراح يبلسمها، يقرأ سورة الندى، ويكلل الجبال بسراج من نور الأبطال؟ كيف حال حبره، وإلى أين سيمضي؟ وما مدى قدرته على الاستمرار؟ أسئلة لا تبحث عن إجابات أبداً، لأننا نعرف الهم والغم، همّ أن تحمل قلماً وتكتب، فكيف بك وأنت تتصدى لإصدار مطبوعة في زمن رديء غادر فيه الجميع عالم القراءة، إلى أفياء أبي لهب وجهله. وثمة من يتربص بك هنا وهناك، وهناك من ألقى سلاحه بعد أن أبلى بلاء حسناً، وظن أنه لن يحتاجه بعد الآن. ماذا سيكون حال الحياة السورية (هذه) بعد عام أو عامين؟ هل سيبقى النبض نفسه، هل ستجد من يضع العصي في العجلات، أم أن القطار أقوى، وهل في زاد القائمين عليها ما يكفي لاجتياز وعثاء الطريق، وما أشد هوله؟‏

الكتابة بنبض الحياة، تعني أنك تكتب بحبر العيون، عيناك أنت أولاً، وعيون كل من ترى وتسمع وتقرأ، عيون تلتقط هموم الناس وآلامهم، تمشي في مواكب آمالهم، لن تكون ناجحاً ما لم ترصد نبضهم، ويرون أنفسهم في حروفك، يتنفسون عطر قلمك وينتظرونك كل يوم لعل أملاً ما يبزغ من بين ثناياك.‏

هنا في سورية بلد الحرف الأول، واللون الأول، والعاصمة الأولى، كنا أساتذة الصحافة العربية ونشرناها في كل أرجاء الوطن العربي (هجرة أدباء بلاد الشام إلى مصر) وما زالت آثارهم شامخة هناك، في الأهرام (الصحيفة وغيرها).‏

اسأل: ما بالنا تركنا الحرف، وهمنا في عشق الآني المزيف (الإلكتروني) وهو ذاكرة الرمل وهبوب الريح الصرصر ولو بعد حين؟ قد يكون لنا لقاء هنا، أو لا يكون، فالمهم أن يستمر وأن يجد صوته هنا، يرتفع ويرتفع، ولا مقدسات إلا ما يخص وطننا، بكل مؤسساته السيادية، هي تحية لكل نبع من حروفنا الأولى والباقية إلى يوم تطوى الأرض وما عليها.‏

إضافة تعليق
اسم صاحب التعليق:
البريد الإلكتروني لصاحب التعليق:
نص التعليق:
 

العدد:906 2018/6/12

الأعداد السابقة

اليوم الشهر السنة
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية