التنمر التركي والفراغ العربي

يواصل النظام التركي تدخلاته السافرة في شؤون الدول العربية ضارباً عرض الحائط بالأمن القومي العربي وغير مكترث بالقانون الدولي أو بعلاقات حسن الجوار التي حولها بمفهومه العثماني الإخواني إلى مطيه لتبرير تمدده وعدوانه العسكري ودعمه للإرهاب والتطرف في المنطقة.

ويقتفي هذا النظام السلوك العدواني الإسرائيلي في تبرير أفعاله الإجرامية التخريبية بدءاً من العراق ومروراً بسورية ومصر وليبيا وتونس، نزولاً إلى سعيه لإيجاد موطئ قدم له في السودان والصومال واليمن ليكمل الحلقة إلى قاعدته التي بناها في دويلة قطر التي يتماهى نظامها مع سياساته ضد أشقائها بشكل خاص والأمن القومي العربي بشكل عام.

مع الأسف لا يرتقي العمل الجماعي العربي إلى أدنى تنسيق لمواجهة هذا التغول والاستهتار التركي بسيادة واستقلال الدول العربية، فبحجة ملاحقة المقاتلين الأكراد يشن عدواناً عسكرياً على شمال العراق من دون أي تنسيق أو استئذان من الحكومة العراقية.

وفي سورية يواصل دعمه للتنظيمات الإرهابية واحتلاله للعديد من المناطق ومحاولة تتريكها بحجة درء خطر الإرهاب الذي يدعمه عن الأمن القومي التركي، ويقوم بإرسال الإرهابيين إلى ليبيا لدعم التنظيم الإخواني هناك معرضاً كل أمن المنطقة للخطر الداهم بما في ذلك الأمن القومي المصري، حيث يهدد إرهابيوه مصر علناً بعد الانتهاء من إكمال سيطرة حكومة الإخوان على كامل الأراضي الليبية.

من الواضح أن النظام التركي يتصرف في المنطقة لتحقيق أجندة عثمانية تداعب أوهامه، وحتى اليوم لم يصل العرب إلى المستوى الذي يدرك خطورة عدم مواجهة هذا النظام، الأمر الذي يمنحه المزيد من الفرص لتنفيذ تهديداته ومخططاته على حساب كل الدول العربية الغارقة في بحر من الخلافات الجانبية المفتعلة والتي يستغلها النظام التركي وكيان الاحتلال الإسرائيلي.

إن الفراغ الواسع والمتسع يومياً الذي يتركه العرب تتشارك إسرائيل ونظيرها النظام التركي في ملئه وتبقى المحاولات العربية الخلبية لا قيمة لها ما دامت في إطارها الصوتي، ومن المعيب أن ينبري مسؤول عربي ليكتفي بالقول إن النظام التركي يشكل خطراً على المنطقة فيما يصدح ما يطلق عليه أمين عام جامعة الدول العربية بالقول إن الدول العربية في وضع لا تحسد عليه وتعاني من تنمر إقليمي وضع فيه إيران التي تقف إلى جانب حقوق الدول العربية في سلة من يهددون أمنها من جميع أطرافه.

من المعلوم أن أحد أهداف الحرب الإرهابية على سورية هو إبعادها عن دور ضابط إيقاع العمل العربي المشترك ولو في حدوده الدنيا، وحال العرب وتشتتهم اليوم وعجزهم عن إيجاد قاسم مشترك يجمعهم دليل أكيد على ذلك، فالواقع العربي اليوم ليس فقط مشتت بل تتجاذبه مصالح دول إقليمية ودولية، والفاعل والمؤثر الأكبر فيه إقليمياً هما كيان الاحتلال الإسرائيلي والنظام التركي فيما كل دولة عربية مشغولة بهمومها الداخلية أو بخلافاتها مع شقيقاتها.

لم يعد سراً أن رئيس النظام التركي وبالإضافة إلى تأثير إرثه العثماني على سياساته العدوانية في المنطقة فهو -خوفاً من أي انقلاب عسكري يطيح بنظامه الدكتاتوري الإرهابي- يعمل على إشغال الجيش التركي بحروب ومشاكل خارجية يحقق المكاسب فيها جراء التفكك والضعف العربي، وهذا السلوك الأردوغاني لن يتوقف إذا لم يبادر العرب لمواجهته، وأي تأخير في ذلك سيوصلهم إلى النقطة التي يفقدون فيها القدرة على هذه المواجهة وبالتالي الانتقال إلى مرحلة خطيرة من الضعف والانهيار الجيوسياسي.

لا يوجد في الأفق ما يدل على أن الحكومات العربية المنخرطة في تجميل المشروع الأميركي-الصهيوني لمستقبل المنطقة والذي يقوم على أساس تغيير وجهة العدو بالنسبة للعرب مدركة أو مكترثة بالمخاطر التي يشكلها التحالف التركي- الإسرائيلي على استقرارها وسيادتها، وما يؤكد حقيقة هذا التحالف هو صمت كيان العدو على تنامي الدور التركي في المنطقة.

إن ما يحاك ضد الدول العربية من القوى المعادية المتحالفة بالقيادة الأميركية لن يكتب له النجاح بفضل صمود سورية وإصرارها على استكمال دحر المشروع العدواني الأميركي الإرهابي، وهو ما نرى تداعياته في سياسة واشنطن التي تتماهي مع سلوكيات قطاع الطرق والعصابات التي لا تقيم وزناً للقانون الدولي وحقوق الإنسان.

قد يرى البعض أن الحديث عن التنسيق بين الدول العربية من قبيل إحياء الميت، ولكن ما جرّه الاحتلال الأميركي للعراق والإرهاب والربيع العربي من ويلات كان بسبب غياب التعاون العربي الفعلي، وتدارك ذلك يستدعي من الجميع شعوباً وحكومات العمل سريعاً على بناء منظومة عربية جديدة توقف هذا الانحدار العربي.

معاً على الطريق- أحمد ضوا


طباعة