في معاني الصمود

الشكوى، مَزاج عام، هذا ما تُشير له الأحاديث الجارية في البيت، بالعمل، بل بكل مكان يلتقي فيه الناس بمناسبة عامة أم من دون مناسبة.
قد يُوجد ألف سبب لدى أكثرية الناس للشكوى، وليَكون مزاجهم في حالة صعبة مُعظم الوقت، ذلك أن الشعور بالضغط لا يأتي من ناحية واحدة أو اثنتين، وإنما من نواح مُتعددة، ليس ارتفاع أسعار المواد أهمها ولا العقارات ولا الإيجارات، ولا تدني مُستوى الدخل عموماً، بل هناك شعور بالضيق يُسيطر على الأغلبية، لأسباب تتعلق بتراجع مُستوى الحميمية بالعلاقات الإنسانية، فضلاً عن الشعور بتراجع القيم المُجتمعية التي كانت إلى الأمس القريب تَحكم.
لماذا يَحصل هذا؟ وما السبيل للخروج من هذه الحالة؟ وهل هناك ثمة وصفة سحرية تؤدي لإحداث تَغيير جذري فيها؟.
شَجاعة ادّعاء القبض على الوصفة يَمتلكها بعضنا، لكنه يَتهيب طرحها وتَقديمها، لا لأنه لا يَثق بها وبجدواها، بل لأنه يَعرف مُسبقاً أنّ طابوراً طويلاً سيَصطف ليُردد بصوت مُرتفع ما يَنسف منطق وصفتك السحرية ربما بعبارة واحدة: بلا مثاليات، كفانا بيع وطنيات؟!.
في هذه الحالة الافتراضية التي استبقنا فيها عرض ما يَدّعي بعضنا امتلاكه - أنا منهم - يَتوجب علينا أن نكون أكثر إقناعاً بالطَّرح كي لا نُواجه بمثل تلك الردود، أو لنتَمكن في نهاية المَطاف من أن نَلتقي على مُحددات إذا كان مُتعذراً أو ثقيلاً أن يَقلب أحدنا مزاج الآخر إلى الضد.
حربٌ، حصار، عقوبات، وقلة موارد. هل يمكن إنكار أن هذا هو جزء مما تُواجهه سورية مُجتمعاً ودولة؟ لا يُوجد أحدٌ باستطاعته الإنكار.
المُجتمع ومؤسسات الدولة، يَدفعان بالتكافل والتضامن العدو إلى الخلف بكل قوة دفاعاً عن الذات، الأرض، السيادة، المقدرات، الخ، وهذا يُرتب من جملة ما يرتبه التصدي للعدو والصمود بمواجهته، أعباء، بمعنى أن نسدد فاتورة ما نقوم به من فعل وطني واجب لا يجوز أن نتخلى عنه، فرداً، مجتمعاً، ومؤسسات دولة، وأن نسعى لجعل العدو يُسدد غالياً أثمان ما يقوم به من عدوان، وأن يتحمل تبعات ذلك، سياسياً، مادياً ومعنوياً.
الوصفة السحرية التي تَقلب المزاج العام من الشكوى إلى الضد، تَتلخص بضرورة وحيوية ألا يَغيب عنّا بأن وطننا يَعيش حالة الحرب والحصار التي لا تُفرض عليه من جانب عدوه التقليدي والتاريخي «الكيان الإسرائيلي» وإنما من قبل تحالف شرير تَجاوز عدد كياناته المارقة / 80 / كياناً، بينها أميركا وقوى الغرب الاستعماري الكبرى، ما يَعني أن قدرة الصمود وحدها التي امتلكناها في هذه المواجهة الشرسة - والتي تَسبق الانتصار حتمياً - ينبغي أن نَغبط ذاتنا ووطننا عليها، وبالتالي أن يكون مزاجنا العام مُختلفاً، يشعر بالنشوة، ولا يميل أبداً للشكوى.
علينا أن نَتذكر وأن نَطرح هذه الأنماط من السؤال دائماً: ماذا كان ليَحصل لو لم تَصمد سورية دولة ومُجتمعاً؟ ماذا كان ليَحل بنا لو تَمكن الوهابيون الدواعش؟ ما حالنا اليوم لو تَحقق لحلف العدوان 20% مما خَطط له؟ ثم لنَنتقل إلى مُستوى آخر من السؤال: مَن قالَ إنّ الصمود وحفظ السيادة والأوطان يَتحصّل من دون أثمان؟.
حُوصرت قطر من قبل زُمرتها وشُركائها في الخيانة أسابيع قليلة - وهي خزانُ نفط وغاز ومحفظةٌ مالية مُتخمة - فَخَلت أسواقها ومَخازنها من المواد الغذائية.
بعد وقت قصير جداً على مُحاصرة فنزويلا الصديقة من قبل قوى الشر والامبريالية، سَجَّلَ التَّضخم مُستويات خيالية.
نَسوق هذين المثالين لنُظهر قوتنا الذاتية، دولة ومجتمعاً .. النصرُ صبر ساعة، يَجب ألا نَضعُف، نَعرف جميعاً أن الحياة بكهرباء 24 / 24 أجمل، لكنها تستمر 3 / 3 بل يَنبغي للأخيرة أن تكون المُناسبة التي تُذكرنا دائماً بمَعاني الصمود، وبالقيمة المُعتملة بمفاهيم السيادة والاستقلال.
معاً على الطريق
علي نصر الله
التاريخ: الخميس 4-4-2019
رقم العدد : 16948

 


طباعة