في القابلية

دَمّرت الولايات المتحدة كل الأشياء، لم تُبق سليماً قانوناً أو قيمة أو مبدأً، منذ أصبحت قطبَ العالم الأوحد، بالأحرى منذ نَصّبت ذاتها شرطي العالم، الذي يعمل بمزاجه، يَحكم بمعاييره الخاصة التي قد تتغير مرات ومرات بالتعاطي مع الحالة نفسها، لكن بفاعل مُتغير، فتَمنح الاستثناء لهذا وذاك، وتُقيم حد الفصل السابع على من تَشاء، فأن يقتل الأميركي، أو الإسرائيلي، بالضرورة لا يُوازيه أي أحد يقوم بالفعل ذاته، ولا أن يمر من ذات الممر!.
الأميركي يقتل من أجل نشر الديمقراطية! الإسرائيلي يقتل دفاعاً عن النفس! والغربي يقتل حماية لحقوق الإنسان، وأما أيّ أحد آخر، فرداً كان أم مُجتمعاً أم جيشاً وطنياً، حتى وهو يُمارس أقصى حالات ضبط النفس أثناء صد اعتداء خارجي، أو في حالة الدفاع عن الوطن، فيَنسحب عليها حُكمٌ آخر، أو سلسلة من الأحكام أقلُّها الإرهاب، وتصل غالباً إذا كانت تتصل بإسرائيل إلى تهمة مُعاداة السامية وجريمة الإبادة الجماعية!.
وَضعُ هذا النوع من الثوابت في العمل، هو البلطجة ذاتها، البلطجةُ التي يَصير معها كل شيء قابلاً للتحقق وفق المعايير الخاصة بمنهج البلطجة، وهو المَنهج الذي تَعتمده أميركا وتُجسده بمُنتهى الوقاحة، إذ ما من أمر يَنطوي على عدم القابلية ليَصير أو ليَتحول أو ليُتَداوَلَ كما تريد وترغب واشنطن، حتى صارت الأغلبية في العالم مُستعدة للقبول، قبول ما تَقوله أميركا، وتَقبُّلُ ما تَفرضه أميركا.
والحالُ كذلك، فإنّ الهستيريا والجنون قليلٌ أن تُصاب بهما أميركا عندما يأتي من لا يَكتفي بالطرح، بل يَذهب للتأكيد بالفعل فيُثبت أنّ أميركا ليست استثناء، لديها القابلية للهزيمة، والقابلية للسقوط والاندحار، وللفشل والإخفاق، ولدى الآخرين القابلية لصناعة الانتصار عليها بكسر مَشاريعها وتَحطيمها، ومن دون تَمكينها من إقامة حد الفصل السابع على أحد!.
انتصارُ المُقاومة اللبنانية مُمثلة بحزب الله في عام 2000 ثم في 2006، وانتصارُ سورية في الحرب على الإرهاب، بدحر المُرتزقة، وبإسقاط مُخططات التجزئة والفَدرلة لشرذمة المنطقة، لا العراق وحده أو سورية وحدها، هي انتصاراتٌ لم تَصنع النصرَ فحسب للبنانيين والسوريين والعراقيين، بل للأمة جمعاء، وهي لم تكتف بتقديم فَرضية صحيحة تَطرح قابلية الانتصار على أميركا وإسرائيل وقوى الشر والعدوان، بل أكدتها بالوقائع، وما الرد الإيراني الأخير على انقلاب واشنطن وانسحابها من الاتفاق النووي إلا الدليل الجديد على قابلية صناعة الهزيمة لأميركا بهدوء، لكن بثقة!.
بعد سنة من الانسحاب والانقلاب الأميركي على الاتفاق النووي، وبعد تفعيل حزمتين من العقوبات المَرفوضة، تَرد طهران بإجراءات تُعلِّق بعض تَعهداتها بالاتفاق، فتَرتَّج أوروبا، وتَهتز أميركا، فهل ذلك إلا تأكيد لقابلية أن نَهزم قوى الشر ومحوره؟.
إنّ صناعة النسيج في سورية صناعة عريقة، وإن صناعة السجاد في إيران صناعة أَصيلة أصليّة عَتيقة، ومن يُجيد صناعة النسيج والسجاد ويُتقنهما، يبدو أنه سيَضع أميركا ومنظومتها أمام تَلمس الحاجة لتَعلُّم المزيد من الدروس لتَخرج من حالة الإنكار، ولتَتَحرر من انفصالها عن الواقع، لا لتَتَعلم مَعاني الصبر الاستراتيجي فهي لا تمتلك القابلية لتعلم هذه المعاني، وأما تَعلم صناعة النصر الاستراتيجي، فالقابلية وحدها هنا لها مَذهبٌ ومَبحث آخر، أين أميركا منه والغرب؟!.
معاً على الطريق
علي نصر الله
التاريخ: الخميس 9-5-2019
رقم العدد : 16973