الاستماتة لصنع الفرق!

 

 

لا يُمكن أن يُعثر على مُسمى لما تقوم به أميركا ومعسكر أدواتها، سوى الاستماتة من أجل صُنع الفرق الذي قد يُعيد لها ما فقدته بأكثر من ملف واتجاه، والذي بات يضغط عليها كنتيجة لا تحتاج التمحيص لاستنتاج أنها صارت مُهددة بمصالحها، ومُرغمة على الخروج من مناطق واسعة يجب أن تُغادرها قسرياً.
تَستميت واشنطن بهذه الأثناء لتثبيت وضع ميداني في سورية يسمح لها بتعويض ما فقدته بعد هزيمة أذرعها الإرهابية، وبعد سقوط مشاريع الاستهداف التي بدأت بوهم الإسقاط ولم يَكن من المُقرر لها أن تنتهي بأقل من التقسيم!.
تَستميت واشنطن لتثبيت وضع فتنوي بلبنان يُتيح لها إضعاف حزب الله كطرف سياسي داخل الطَّيف اللبناني وكحركة مُقاومة لها ثقلها النوعي بين مُكونات محور المقاومة المُتماسك المُنتصر على جبهات الميدان والسياسة.
تَستميت واشنطن لتثبيت وضع دولي بمُواجهة إيران، بعد خروجها أحادي الجانب من الاتفاق النووي، وبعد التطورات التي فرضت فيه أحداث شهري أيار وحزيران الماضيين واقعاً مختلفاً، أظهرَ عجزها، وضاعفَ التحديات الماثلة، ونقلها لمُستوى آخر لم تَحسب حسابه!.
تَستميت واشنطن لتثبيت حالة بالعراق واليمن أيضاً، ولا تبدو استماتتها هنا وهناك أقل مقداراً من سواها لتثبيت أوضاع تَخدمها في المسار العام لتحقيق أغراض مُتعددة، منها وربما أهمها: مُحاولة تمرير صفقة القرن، غير أنّ نتيجة الاستماتة لصُنع الفرق المَطلوب بأي من هذه الاتجاهات تكاد تساوي الصفر، إن لم تكن ترتد عليها بما هو أقل وأدنى!.
لعلها تَسأل ومعها كثير من التابعين عن أسباب الفشل والتراجع، بل لعل واشنطن ما زالت على عنادها وعنجهيتها لا لأنها لم تكتشف تلك الأسباب، وإنما لأنها تعيش حالة الإنكار والانفصال عن الواقع، ذلك الواقع الذي عبّر عنه المُستشار الألماني السابق غيرهارد شرويد بقوله: (يجب ألا يُسمح لأميركا أن تُعامل ألمانيا كدولة تابعة .. لسنا جمهورية موز!).
من الصواب أن يُقال في ألمانيا: لا لأميركا، لكن ما هو أكثر صوابية أن يقال لها لا ليس فقط بجزئية مُحددة مهما كانت أهميتها، وأن تخضع في المقابل بباقي الجزئيات التي تُكوِّن مَشهدَ الإذلال الأميركي لها، بل لا بُد لكل أوروبا من أن تَستكمل الحالة بالتعبير عن موقف مُستقل يعكس استقلالها ويحفظ سيادتها، لا بل على القارة العجوز أن تَفهم أولاً المُعادلة التي أنتجت وتُنتج هزيمة مشاريع العدوان في سورية والعراق واليمن وإيران ولبنان، ليَكون باستطاعتها مُساعدة واشنطن على الفهم.
إذا كان في أوروبا من يرفض مفهوم جمهوريات الموز، فإن على هؤلاء أن يُدركوا أنّ في الشرق أيضاً من يَرفض، بل إنّ الشرق الذي فيه محوراً مُقاوماً قوياً صلباً ينتصر ويهزم مشاريع استهداف المنطقة، لن يُمكِّن أحداً من صناعة فرق يُعيده من بعد إلحاق الهزيمة به .. الاستماتةُ لا تنفع، الخروجُ والمُغادرة القسرية، هو الخيار الوحيد المُتاح.

علي نصر الله
التاريخ: الاثنين 15-7-2019
الرقم: 17024