التنف..كلمة السر والشريان!

 

 

النقاط التي تَحدّث عنها روبرت فورد مؤخراً، جميعها مُهمة، سواء ما تَعلق منها بالنصائح التي قدمها للميليشيات الانفصالية، أم تلك المُتصلة بالمُحاكمة التي أجراها لبَيان الفَرق بالحالة بين سورية والعراق، ما جعله يَنتهي لتأييد مَقولة «الحكم الذاتي تحت لواء ميليشيا قسد» لا تكرار تجربة كردستان العراق.
لماذا يَستوقفنا فورد؟ هو سفير سابق، غير مُكلف بمهمة، ولا ملفات يشتغل عليها، ولا صفة رسمية له! فلماذا الاهتمام بما يقول؟.
صحيحٌ أن فورد لا يُمثل الإدارة الأميركية الحالية، هو سفيرٌ سابق لا تُسند له أيّ مهمات ولا يَشغل أيّ موقع رسمي، غير أنه سياسي مُطلع، وكان يَضطلع بدور خطير يَتفوق على الأدوار التي قام بها آخرون، كجيفري فيلتمان، ديفيد ساترفيلد وديفيد هيل، وبالتالي هو نسخة مثالية عن العقل، ونمط التفكير، الأميركي.
لم يأت فورد على ذكر «إسرائيل» إلا عندما تَحدث عن تأييد بلاده اعتداءاتها المُتكررة ضد سورية، أما لماذا تَتخوف واشنطن من العلاقة الجيدة بين بغداد ودمشق؟ وهل لهذا الخوف علاقة بإسرائيل أم لا؟ لم يُوضح فورد، لأنه الأمر الغَنيّ عن التوضيح ربما!.
لماذا التقارب العراقي السوري لا يَتوافق مع ما تُريده أميركا؟ إذا كان هذا التقارب قد أنتجَ هزيمة الدواعش الذين تَدّعي واشنطن الحرص على عدم عودتهم، فلماذا لا يَتوافق مع ما تريده؟ وما الذي تُريده إذاً؟.
«القواتُ الأميركية ستبقى بالتنف لمنع التواصل بين سورية والعراق، وبين سورية وإيران عبر العراق»، قال فورد، ولعل الحقيقة كُلها تُختزل بهذه الجملة، بل لعلها الجملة السياسية التي تَفضح الموقف الأميركي عن آخره، تُبينه على نحو شديد الوضوح، وبما يُكذب كل الادعاءات المُتناثرة على طرفي التصريحات الأميركية، الرسمية وغير الرسمية!.
التقارب السوري العراقي ممنوعٌ أميركياً، هي قاعدة جرى اعتمادها سابقاً، وتُعتمد اليوم لغاية حماية الكيان الإسرائيلي من اجتماع قوة عربية مُؤثرة، لم تَجتمع لأسباب لن نُعددها الآن، لأننا لسنا من هواة النبش بالماضي أو الضرب بالميت.
إذاً، التقارب السوري العراقي كان مَمنوعاً حتى قبل أن تنتصر الثورة في إيران التي حوّلت هذا البلد بكامل قوته نَصيراً صلباً لفلسطين، فكيف ستكون الحال الأميركية وهي تَرصد ناتج اجتماع قوة سورية، العراق وإيران: النصر على الإرهاب، إحباط مُخططات التقسيم، تغيير المُعادلات وقواعد الاشتباك، ومن شأنه أن يُغيّر وجه المنطقة بتَكامُله مع قوى المقاومة الوطنية السورية اللبنانية العراقية، والفلسطينية الشريفة؟.
وقاحةُ فورد بالتعري السياسي غير مَسبوقة، لم يَكن أحدٌ بحاجتها ليَتعرف - من جهة - إلى أهمية التنف كشريان تَواصل بين قوى محور المقاومة، ومن - جهة أخرى - للتعرف إلى خطورة أن تُسخر أميركا ذاتها لحماية إسرائيل، ولتَلمس حماقة أن تكون الميليشيات الانفصالية الحامل الأساسي لمشروع الاستهداف في لحظة انهياره!.
التنف، آخر كلمات السر المُمزقة بمشروع حماية إسرائيل، وبمُخطط تفتيت المنطقة واستهداف بلدانها، لكنه الشريان الذي سيبقى نابضاَ بالحياة، فجيشنا الذي نَحتفل بتأسيسه يَقظ وبأتم الجاهزية ليَفصل. العراقيون على الطرف الآخر لا يُعيرون أهمية لعقوبات أو تهديدات أميركية، فيما تُبدي القوات المُقاومة الحليفة والرديفة جاهزية تَستكمل الحال التي تَبعث على الثقة بدحر الغُزاة والمُحتلين.

علي نصر الله

التاريخ: الخميس 1-8-2019
رقم العدد : 17039