المستوردات .. نحن بحالة حرب!

 

 شكلت المواد الأولية المُستوردة ما نسبته 64 بالمئة من قائمة المستوردات لعام 2016، بينما ارتفعت خلال 2017 - 2018 إلى 76 بالمئة، ذلك في إطار العمل على تشجيع الصناعة المحلية من جهة، وعلى توفير القطع الأجنبي اللازم من جهة ثانية، وبما يُلبي حاجة السوق المحلية بظل سياسات التضييق والحصار التي تفرضها واشنطن ودول العدوان على سورية.
النسبة المتطورة من 64% إلى 76% تؤشر إلى تطور كبير حاصل خلال فترة زمنية قصيرة، لا شك له دلالته العميقة لجهة استعادة قطاعات العمل والإنتاج عافيتها نسبياً، مع ملاحظة أن هذا التطور قد يبدو مُذهلاً إذا ما استحضرنا الحالة العامة التي كانت سائدة خلال الفترة المذكورة، سواء لجهة يوميات الحرب على الإرهاب، أم لجهة فرض المزيد من الإجراءات القسرية أحادية الجانب غربياً وأميركياً على سورية.
وبانتظار صدور مُؤشرات العام الجاري 2019 التي يُفترض أن تُسجل تطوراً نوعياً آخر بالنظر للتطورات الإيجابية التي حققها جيشنا الباسل باستعادة المزيد من الجغرافيا التي دحر عنها التنظيمات الإرهابية، فإن ذلك يُدلل على أن الذهاب بين فترة وأخرى لإعادة النظر بقائمة المستوردات، تَعديلاً، شَطباً لمواد بمُقابل إضافة أخرى، هي سياسة صائبة، تَخطو بالاتجاه الصحيح.
ازدياد نسبة المواد الأولية في قائمة المستوردات يَنطوي على آمال عريضة بتَحَسُّن الاقتصاد ودورة العمل، يُعظمها على نحو مُؤكد التقدم بخطوات أخرى لا بد من تسجيلها على التوازي بمسألة مُكافحة التهريب، وبوقف استيراد المواد المُماثلة، ذلك لحماية الصناعة الوطنية من ناحية، ولوضع حد للاستنزاف الذي يتسبب به التهريب من ناحية ثانية.
الإجماعُ الرسمي - حكومياً - على إجراء مراجعة دائمة لقائمة المستوردات، يُلاقيه إجماعُ قطاع الأعمال بضرورة هذه المراجعة كلما اقتضت الحاجة لها، غير أن الإجماع الحكومي والشعبي على أهمية مُكافحة التهريب كاستنزاف للاقتصاد الوطني يَبقى غير مُكتمل ما لم تتوقف جهات من قطاع الأعمال عن ممارسة التهريب والتلطي خلف أعمال مُرخصة لا تُمثل بالواقع إلا وسيلة لغسل أموال التهريب، وما لم تتوقف أو تُضبط العناصر الفاسدة في المؤسسات الرقابية التي تُمرر أو تُغطي أو تتورط بقضايا التهريب.
مُكافحة التهريب بضبط كل المُتورطين فيه، واجبٌ وطني وضرورة وأولوية، من شأنها أن تدعم الخطوة الحكومية بإجراء مراجعة دورية لقائمة المستوردات، وإذا كان اثنان لا يَختلفان على ضرورتها ووجوبها، فينبغي أن تُسجل فوراً الأفعال الملموسة والمباشرة باتجاه وضع حد للتهريب يُخفف منه لحدود المُمكن إذا كان من غير المُمكن جعله يُلامس الصفر إِلغاءً.
وأما الإجماع المَنقوص الآخر حول مسألة وقف استيراد المواد المُماثلة لما يجري تصنيعه محلياً، وهي المسألة التي فتحت دائماً مجالاً واسعاً للتجاذبات تحت عناوين مُختلفة، مرّة تَطرح المُنافسة، وأخرى تَطرح قصة تلبية مزاجات جميع المستهلكين، فضلاً عن العناوين الأخرى، فإنّ الرد على هذه الطروحات وبما يُحَصِّل الإجماع المطلوب يَنطلق من منطق وطني هو أقوى من أيّ منطق اقتصادي آخر: نحن بحالة حرب ونتعرض لظروف صعبة وعقوبات قاسية.
في الحرب والظروف الصعبة والمعقدة، أثناء الحصار وفي خضم مواجهة سياسات التضييق، يبدو من الطبيعي البحث عن سبل توفير الأساسيات ومُستلزمات الصمود والثبات، ولا يبدو من المنطقي البحث عن إرضاء مزاجات المستهلكين بتوفير تشكيلة منافسة وواسعة من السلع غير الأساسية «الكماليات، والكماليات المُترفة» التي تَستنزف القطع الأجنبي!
من لا يُريد التصفيق لخطوات الحفاظ على القطع الأجنبي، ومن لا يُرحب بإجراءات تقييد المُستوردات وتَحديدها وفق الحاجة الحقيقية في هذه الظروف الصعبة انضماماً للإجماع الوطني، له ذلك، ولكن عليه أيضاً أن يُجري تَقييماً وطنياً وأخلاقياً لمَوقفه، وأن يُجري مُراجعة ذاتية لدفاتره الضريبية المُعلنة والمَخفية .. ولهذا مُناسبة أخرى سنَأتي عليها.

علي نصر الله
التاريخ: الخميس 5-12-2019
الرقم: 17139