ما بعد دومينو الإرهاب

 مُهم ما يُقال -بهذه الأثناء- في توصيف الانتصار المبين الذي حققه جيشنا البطل في حلب، من حيث اعتبره البعض تحريراً ثانياً للشهباء عاصمة سورية الاقتصادية، ذلك من بعد تحرير أحيائها الشرقية كانون الأول 2016، وهو ما وُصف بالتحرير الأول للمدينة التي عانت الكثير من مُحاولات الحصار والتجويع، فضلاً عن لصوصية أردوغان، حيث تم توثيق سرقته العلنية لمعاملها، ولأسرار شهرتها الحرفية والصناعية ولاسيما في صناعة النسيج.
ومُهم أيضاً ما يُقال -بهذا السياق- من أنّ تحرير حلب اليوم مع طريقها الدولي الذي يَربطها بدمشق والمحافظات السورية يفتح مرحلة جديدة باتجاه استكمال تطهير كامل الجغرافيا السورية من الإرهابيين التكفيريين والخوّان، وباتجاه إعلان الانتصار السوري العظيم على منظومة العدوان -بالقيادة الصهيوأميركية- المُمتدة من واشنطن إلى لندن وباريس وصولاً إلى إسطنبول ومَحميات الخليج.
مُهم كل ما تَقدّم، غير أن الأهم هو ما سيَترتب من بعد تَجرع أردوغان ترامب نتنياهو، ودَميم الدوحة مرارة متابعة مشاهد دومينو الإرهاب المُتساقط الذي راهنوا عليه طويلاً، والذي كان الأساس الهش والقذر الذي بُنيت عليه طبقات الوهم المُتجدد المُقيم في الرؤوس الحامية، لكن الخاوية، التي تبدو اليوم أعجز من أن تَفهم النتائج والمُقدمات، لا أن تَستخلص العبر والدروس.
ما سيَترتب من استحقاقات هو المُهم، إذ لا يمكن لقوى العدوان أن تتملص منه، فما بعدَ دومينو الإرهاب ليس كما قبله، بل لا يُشبهه بأي جزئية أو تفصيل، ذلك أنه إذا كان سيَستمر الحديث -باللغة السياسية والدبلوماسية- لبعض الوقت حول اتفاق سوتشي وتفاهمات أستانا، فإنّ لغة الواقع ستُحدث بما يتجاوز ذلك، ليس فقط لأن اللص أردوغان لم يلتزم بمُخرجات أستانا وسوتشي، بل لأنها مع الانتصارات السورية الناجزة صارت من الماضي، ويقيناً ستَفرض هذه الانتصارات استحقاقاً آخر لا تُلبيه حتى اتفاقية أضنة.
ما كان يُسمى «نقاط المُراقبة التركية» سقطت التسمية عنها اليوم، وأصبح تَفكيكها الطوعي امتثالاً لما تَفرضه لغة الواقع حتمية لا مَفر منها، ما لم يجر هذا الأمر بسرعة، فإن نظام أردوغان قد لا يجد الوقت الكافي لسحب جنوده المُحتلين، وبالتأكيد لن يَعثر حالياً ولا لاحقاً على وعود لدى موسكو - كطرف مُؤثر في صيغة أستانا واتفاق سوتشي - تضمن سلامتهم.
مرارة الخيبة التي يتجرعها أردوغان - نتنياهو كشريكين تبادلا الدور على نحو تَكاملي بتصعيد العدوان، وبرعاية الحُثالات الإرهابية تحت الإشراف الأميركي، قد يكون طعمها كالعلقم، وقد تتسبب لهما بالاختناق أو بفقدان الأهمية الوظيفية لمُشغلهما ولراعي إرهابهما المُنظم، إلا أن ما ينبغي لثالوث الشر الأميركي - العثماني - الصهيوني إدراكه هو أن ما حصل بالأسابيع الأخيرة ما هو إلا النتاج الطبيعي لمسار ميداني سياسي سيُستكمل، وليس حالة مُنفصلة تنتهي مفاعيلها عند حدود استعادة إدلب ودحر التكفيريين عن ريف حلب.. هل نُذكر ثالوث الشر والعدوان بأوهامه وبمَوقع حلب في مشاريع التقسيم التي اشتغل عليها؟ إنّ لتَبَدُّد هذه الأوهام أثماناً سياسيةً.. الدومينو لا يكفي.

الافتتاحية بقلم رئيس التحرير: علي نصر الله
التاريخ: الثلاثاء 18-2-2020
الرقم: 17195