تفكيك ائتلاف الإفساد

 إفتتاحية الثورة - بقلم رئيس التحرير - علي نصر الله:

 

تُطرح صيغة «السعر المقبول»، كمَطلب في إطار الحديث المُتكاثر تَداوله بين العامّة والخاصّة، في كل الأوساط المُجتمعية، الفقراء، أصحاب الدخل المحدود، وشرائح أخرى تتوزع صعوداً على خط مُتوسطي الدخل، وصولاً إلى الأغنياء والمُترفين، فما حدود السعر المَقبول؟ ولماذا يُنادى به من قبل الجميع؟ وبالتالي ما الجهة - أو الطرف - التي تَفرض على السوق والمُجتمع خلافَ السعر المقبول؟ وما مقدار قوّة هذا الطرف إذاً، إن كان يستطيع السيطرة، وفعل ما يَشاء في السوق؟.

عندما يَستهجن الجميع - الفقير والغني - أسعارَ المواد في الأسواق، غذائية وغير غذائية، مع مُلاحظة الفرق بين من يَستهجن ومن لا قدرة له على الشراء، وبين من يَشتري مِثلي حاجته رغم ارتفاع السعر، ورغم تَعبيره عن الاستهجان لجهة الارتفاع!.

عندما تقع هذه الحالة وتَصير حديثَ شارع ومُجتمع ينطوي على قُدرة تحريك الرأي العام، فإنّ الثابت معها يكون مُلخصه أنّ ثمة حركة شاذة تَحصل، ينبغي ضَبطها فوراً وبلا تأخير.

كل مُكونات المُجتمع - كفئات مُستهلكة - تؤكد أن حال السوق والأسعار مُنفلتة وغير مَقبولة. أجهزةُ الدولة الرقابية المَعنية بمُتابعة الأسواق: وَفرة المواد من عَدَمِها، تَوزعها وتوزيعها، نَوعها وتَعدديته حسب معايير الجودة.. إلى آخره، لا تَنأى عن التوصيف إيّاه.

الأجهزةُ الرقابية هذه إن لم تنف الانفلات كحالة، فلا يَسعها إلا أن تؤكد حالة عدم التوازن بالسوق رغم سَعيها لضبط المُخالفات والتجاوزات، بل إنّ مُؤسسات حكومية بعينها تعمل على التوازي معها للتدخل، بمُحاولة توفير المواد، وبمُحاولة كسر حالات الاحتكار، وبمُحاولات أخرى ذهبت إلى حدود التحرك بمرونة غير مَسبوقة رغم مَخاطرها الكبيرة بتَكبُّد خسائر مادية أثناء التسوق من المُنتجين والبيع المباشر للمواطنين بهوامش رَبحية تَكاد لا تُذكر!.

مع كل هذه المُحاولات التدخلية الإيجابية، الأسواقُ لم تُغادر الحال التي هي عليها، مُخالفات، فوضى سعرية، وَفرَة مُلفتة بالمواد، لكنّ خطوة واحدة لم تُسجل باتجاه جعل هذه المواد تتوفر بالسعر المقبول!! حقاً إنها حالة مُعقدة، غير مَفهومة ولا يمكن فَهمها!.

هناك حلقة مَفقودة في السلسلة! هناك قطبة مَخفية بالقصة! بل ربما هناك حلقات وقطب هي واضحة مُعلنة ولكن يُراد لها أن تكون مَفقودة حيناً ومَخفية أحياناً، تنكشف وتتكشف فقط بحال تَعرية التواطؤ الحاصل بين أطراف هي لا تُخفي نفسها، لكنّ الكثيرين - نحن منهم ربما - لا نُريد أن نراها، أو لأننا لا نَمتلك الدليل القطعي نَمتنع عن رؤية التواطؤ الذي يضر بنا، أفراداً، مُجتمعاً، واقتصاد وطن!.

ازداد الأمر تعقيداً، وسيزداد أكثر عندما نَرد على المَقولات التي تُحمِّل الحالة السعرية لأسعار الصرف ولضعف القدرة الشرائية للمواطن، بمُعادلات رَقميّة تَضربُ فَرضية ارتفاع أسعار الصرف، إذ كيف تُفسر أطراف التواطؤ تَجاوز أسعار السلع - أغلبيتها - بما لا يَتناسب مع فرضيتها بارتفاع أسعار الصرف؟ وهل تُوفر هذه التجاوزات الجنونية بالفرق إلا الدليل على جَشع تاجر، وتَزوير صناعي، وخيانة مسؤول؟.

هنا تَكمن القصة من ألفها إلى يائها، تَواطؤ مُعلن بين تاجر - صناعي فاسد جَشع لا يَشبع، وبين مسؤول فاسد أو رزمة منهم يَتوزعون على دوائر في وزارات: المالية، الاقتصاد، التموين، أي يَنتشرون في الدوائر والهيئات الجُمركية والضريبية وتلك المَعنية بالتسعير ووضع آليات واضحة، يُضاف لها تلك المَعنية بالرقابة وتطبيق القوانين وضبط المُخالفين والمُتجاوزين.

التواطؤ قائم بين هذه الأطراف، هو تواطؤ غير مُعلن بالتأكيد، بل لا أحد يَجرؤ على إعلانه، لكنّ ذلك لا يُلغي أنه ما زال قائماً ويَفعل فعله الكارثي بالمُجتمع وباقتصاد الوطن، والأخطر ربما أنه يفعل فعله بترسيخ ثقافة فاسدة مُدمرة بين أبناء الوطن، إذ يبدو أننا أمام أعقد الحالات الاجتماعية: اللص والفاسد لا يتخفيان، يَرفع كل منهما يده عالياً بلا خجل.. بينما لا يُشار إليهما بالبنان، مُجرد إشارة؟!.

الأجهزة الحكومية، تضع في هذه الأثناء مُعالجة الواقع المعيشي على رأس سلم الأولويات، هي مُرشحة للنجاح، بل لا خيار أمامها سوى النجاح بالمُعالجة، بكشف أطراف التواطؤ بتعريتهم، ومُحاسبتهم بأثر رجعي حتى، إذ لا بد من ضبط الأسعار، المُواصفات، ولا بد من مُطابقة حقيقية للبيانات الجمركية والضريبية، ولا بد من النجاح بكشف وتفكيك ائتلاف الإفساد بأسواقنا، لطالما نجحنا بأولوية مُكافحة الإرهاب، فدحرناه، وكشفنا رُعاته وكل من يقف خلفه، دولياً، إقليمياً، محلياً.

 

 


طباعة