عذابه ولا غيابه


الشمس حارقة.. وشجرة السرو لا تحرك رأسها مما يدل على انعدام الهواء.. تأففت.. ما هذا الصيف الخانق؟.. المنزل مشحون بالقلق والضجيج.. صوت طائرات لا تكلّ ولا تملّ، تجوب البلدة ذهاباً وإياباً.. ما زاد من توتر حسان وغضبه.
نفخ بقوة وقال (مللت..)
ردّت، تعبنا، ذهب العمر بين الرصاص والدموع والاستنكار والدماء.. أف.. ماذا أصابنا.. ثم تلفتت منهكة إلى المرآة فظهرت لها امرأة أخرى لا تشبهها.. بل هي لا تعرف هذه المرأة الغريبة التي تتجول في مرايا منزلها.. صرخت (حسان من هذه المرأة؟)
غضب الرجل وقال (الله يكبر عقلك)
يومها لأول مرة تمنت أن يسافر قبل أن تنتهي إجازته طيلة الوقت مشحون منتقد، جارح في كلامه.. لا يعجبه أي شيء.. وعلى مدة أسابيع لم تره إلا متذمراً وهي امرأة مرهقة من تكاليف الحياة ووضع الأولاد والبلد الذي لا تلمح أي بارقة أمل في تحسين الوضع المعيشي.. غلاء كسر ظهرها ومدارس تدق الأبواب.. وأعباء اللوازم المدرسية أثقلت عليها لدرجة أنها تشاجرت مع حسان وراحت تبكي.. يوه.. إلى متى نقترض.. حتى يلبس الأولاد ثياباً لائقة.
نهض حسان غاضباً وهو يتمتم.. شو أنا وزير الاقتصاد؟ الدولة تعرف أحوالنا ورواتبنا.. ثم سحب حقيبته وراح يرتب أغراضه كي يسافر إلى لبنان حيث يعمل في بناء الحجر.. كان يود أن يبقى.. لكنها دفعته إلى السفر.. تريد أن ترتاح من غضبه ونفوره وتذمره.. عاجلها (تريدينني أن أسافر.. أفهم عليك.. ولكن أنت لا تفهمين عليّ.. الغربة مذلة.. والعمل عند الغريب الذي لا يقدرك إهانة.. هذا يصرخ في وجهي.. وذاك يوبخ من أجل أحجار كسرت.. وعليّ أن أبلع المسبة ولا أرد أو ادعي بأني لم أسمع وإلا يطردونني وعليّ عندئذ أن أدور على ورشات العمل مثل شحاذ يمد يده إلى لئيم وهم يشيرون إليّ قائلين (ماذا يريد هذا السوري) وذلك باللهجة اللبنانية غليظة الوقع على سمع واحد سوري كان أميراً في بلده ولكنها الحرب اللئيمة غيرت الحال والأحوال فحولتنا من تجار إلى عمال بيتون وحجر وعربات خضار.
تنهدت الزوجة وهي لا تعرف كيف توقف هذا السيل من القهر والقلق.. لكنها أرادته أن يسافر.. على الأقل تشعر بالهدوء والعودة إلى ذاتها بعد أن (خربط) مخططها اليومي، وفتك ببرنامجها المعيشي مع الأولاد.
بعد سفره بساعات شعرت بتأنيب الضمير.. اكتشفت بأنه ترك فراغاً كبيراً في روحها..ت ريد أن تشكو لأحد ما همومها .. غير أنه سافر.. والأولاد.. أولاد، لا يفهمون عليها.. عقولهم الصغيرة لا تتحمل كل هذه الفواتير الضخمة التي سببتها الحرب.. لجأت إلى قهوتها وهي تحدق في المكان الذي طغى عليه السكون الممل.. هذا مكانه فارغ.. وهناك كرسيه على الشرفة يجلس عليها الهواء.. ثيابه كلها انزاحت عن حبل الغسيل ودخلت الخزانة.. لم يعد له أثر في الصالون.. ولا في تعداد فناجين القهوة.. شعرت بالحسرة تقضم صوتها المبحوح.. كان شعورها بالذنب فظيعاً.. هي التي دفعته للسفر بسرعة.. هي التي ظلت تنق غلاء.. مدرسة.. أقساط.. فواتير.. من أين سندفع؟
هرعت إلى الهاتف.. اتصلت به.. لكن الهاتف خارج التغطية.. طفرت دمعتها وقالت (يبدو أنه صار خارج الحدود)
همست.. عذابه ولا غيابه.. على الأقل نكون اثنين في مواجهة العاصفة.
أنيسة عبود

التاريخ: الأربعاء 28-8-2019
رقم العدد : 17058