منجز العدوان.. منجز الألم

 

 

ربما كان من المجدي أن نقرأ ما أنتجه الأدباء العرب في البلدان التي وقعت تحت تأثير زيف الحرية والديمقراطية.. وذلك منذ العام ألفين وأحد عشر وحتى الآن.. والقراءة لا تعني أن نطالع، بل أن نطلع ونعاين ونكتشف ونختبر المنجز الأدبي في القصة والشعر والرواية وفي الدراسات الفكرية والسياسية التي أتحفتنا بها السنوات التسع التي تحتاج إلى تأمل طويل ودراية بالتحولات التاريخية والاجتماعية، لنتمكن من رصد هذه التحولات على كل الأصعدة من المادية إلى الأخلاقية والفكرية.. إذ قد يكون الأدب هو الأكثر قدرة على استكشاف المخفي والمسكوت عنه.. ولعله هو الأقدر (أي الأدب) وخاصة الرواية على قراءة ما بين السطور ولماذا حدث ذلك وكيف وما هو السؤال الكبير المطروح والقادر على الإحاطة بكل جوانب التحولات التي استجدت؟ وما هي ردود فعل الشارع العربي وكيف ينظر إليه، وبأي عين يرصد التحولات التي جعلته يتراجع مئات الأعوام إلى الوراء.. ولماذا كل هذا النكوص؟
فإذا كانت الحرية هي المطلب لهذا الشعب الذي يعاني استلاباً فكرياً ومادياً وعلمياً فهل يمكن تحصيل الحرية بالطرق التي انتهجها جزء كبير من الشعب أو من الشارع العربي؟
ولماذا سكتت النخبة المثقفة على منعطفات الشارع وهو يسقط بين فكي التطرف والغرب المستعمر الذي حرّك كل أدواته واستخدم كل مهاراته للإيقاع بشعب يعاني أساساً من التخلف والجهل والأمية و الخوف ويبحث عن قشة النجاة عند الغربي الذي صورناه دائماً بهيئة الطيب والإنساني والصادق؟.. لذلك كان الحلم بالحرية أقل بكثير من الحلم بالذهاب إلى أوروبا ليكتشف جنة عدن عند الغرب الذي يعتبره أساساً وينعته بالكافر.
لقد رصدت رواية السنوات التسع الماضية رصداً مباشراً لحركة الشارع وللتحولات التي أصابت هذا الشارع، لذلك سيكون لهذه الرواية صدى تاريخياً في المستقبل، وهذا الصدى لن يكون جمالياً بقدر ما هو صدى تاريخي ستقرأه الأجيال وتضرب رأسها في الجدار لما فيه من أوجاع ودماء وخراب ومهاترات وادعاءات.. وسيختلف القارئ مع الكاتب حول المصداقية وسيتجادل الروائي مع المؤرخ، فمن منهما هو الأصدق والأكثر دقة وتأثيراً؟
ولأني أعرف سلفاً أن الشعب العربي لا يقرأ التاريخ وقلّما ما يمحّص ويستكشف الماضي والمستقبل، ولذلك سيكون للرواية فعلها وتأثيرها وسيأخذ بها كثيرون خاصة إذا كانت الرواية على قدر من التشويق والفنية العالية التي ستوحي بالصدق.
لكن ما أريد الوصول إليه هو أنه على السياسي أن يقرأ المنجز الأدبي الذي كتبته فترة الحرب.. ويستخلص من هذا المنجز تاريخاً آخر غير الذي يعرفه، فلا يستهين بالمكتوب على الرغم من رداءة الكثير من النصوص والقصص المنتشرة حالياً.. حيث كثر الروائيون والشعراء وقلّت الرواية والقصيدة.
مع ذلك.. يجب ألا يستهان بما أفرزته المرحلة من دراسات ونصوص ومساجلات.. مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه النصوص ستصنع تاريخاً موازياً أو مناقضاً تماماً لما يكتبه ويدونه علماء التاريخ في هذه المرحلة.. وللعلم.. فقد جرى سابقاً تصحيح التاريخ من الرواية.. كما يجري أيضاً اللعب بالتاريخ وتزويره واستخدامه على وجه آخر في الرواية.. وربما نعتقد أن الفرز المستقبلي سيكون سهلاً بين تاريخ أدبي صادق وبين أدب تاريخي مزور. والحقيقة أن الأمر في غاية الصعوبة والخطورة ، لذلك لابد من معاينة ما يطرحه الكتاب في أذهان القارئ فقد يكون هو الأكثر صدقاً وبقاء وتأثيراً بعد معاناة ووجع ودماء، تجلى تماماً في المقال والقصة والرواية، ولا ننسى هنا الدراما التلفزيونية والسينما التي لها أذرعها الخفية وتأثيراتها الساحرة، ولابد من العناية بها لتكون مساندة لتاريخ الحقيقة، حيث الحرية الكاذبة التي كانت المقدمة لتدمير بلداننا ونهب ثرواتنا وقتل شعبنا وهويتنا.
وللأسف.. لم ينتبه الشعب فهل تنتبه الرواية؟
أنيسة عبود
التاريخ: الأربعاء 25-9-2019
رقم العدد : 17083