باسم الحرية


يحدث أن تشرب القهوة وتتأمل في الأخبار، فيدهشك الدم النازف من الشاشة التي أمامك.. أو من الجريدة التي تقرأها.. لكن أنا أتحدث مجازاً عن الدهشة..
فهل بقي لدينا دهشة بعد ثماني سنوات ونصف والدم يجري والساطور يصرخ والرقاب تحزّ والرؤوس تقطع باسم الحرية؟.
يبدو أن مصطلح الشاعر أحمد شوقي (وللحرية الحمراء باب) فهل تحب الحرية الدم وبابها لا يفتح إلا بالدم؟؟ وهل من الضروري أن يكلف الحصول عليها كل هذا الدم؟.
لقد دفعنا دماً كثيراً وغزيراً منذ الحروب مع الروم إلى الحروب والفرنجة ومع العثمانيين والفرنسيين والصهاينة والآن مع المتصهينين الجدد.. غير أن الحرية ما زالت ترفض الدخول إلى عقولنا وتمتنع عن الحوار معنا.. وما إن نمد لها يد البياض حتى تزمجر وتصرخ مبتعدة.
ويحدث أن تنوي السفر.. أو لنعترف.. تنوي الهجرة.. لكنك ما إن تبتعد عن بلدك حتى تبدأ نار الشوق والحنين والغربة وكل أنواع العذاب النفسي باللحاق بك فلا تترك لك فرصة للهدوء ولا تسمح أبداً بالنسيان.. غير أن الغربة تحولك من إنسان قاسي القلب إلى إنسان رقيق تحزنه زهرة ياسمين وتحيره غيمة تشرّق أو تغرّب ولا بد لها من الوصول إلى سماء الوطن.
والوطن حروف قليلة..
الوطن كلمة رقيقة تنساب في الفم كحبة الكرز.. لكن الوطن إذا ما نظرت إليه من بطاقة السفر.. فستجده كبيراً جداً ولا يتسع له سوى قلبك.. وستجد أن دروبه المغبرة أو الموحلة التي كنت تمشيها صغيراً تستطيع أن تلف العالم وتعود إلى باب بيتك وهي تقول لك (ليس أجمل من الوطن إلا الوطن)
............................
أحياناً عندما نكتب عن الوطن يهرب القراء..
وعندما نكتب عن - التابوات - يفرح القارئ لأنه يشعر بأنه كشف المستور واستطاع أن يدخل غرفة الأسرار.
لكن.. قلة قليلة تستطيع أن تكتب عن الوطن.
الكتابة عن الوطن تحتاج إلى نبض القلب وإلى بياض الروح.. وأن يتنفس المرء من أريج تاريخه وسمائه.. وأن يقدر على سرد الحكايات الطويلة عن حبة تراب من ترابه.
عاجزون كلنا عن الكتابة عن الوطن لأنه هو الذي يكتبنا.
لماذا بات صعباً الحديث عن الوطن؟ ولماذا يتهم النص بالجفاف واللغة المتصحرة؟ لماذا يعتبر الجهلة أن كتابة الوطن هي كتابة الخشب والصقيع؟.. كأن الذي يكتب عن الوطن يكتب عن الآني.. ومن يكتب عن زهرته، أو نجمته يكتب للمستقبل.. للكون.. والكوني هو ما يبقى.. ويزعمون أن اليومي لا جدوى له.. طيب؟ ومن يكتب عن الأوطان المقتولة بيد أبنائها.. وكيف سيتذكر التاريخ هند آكلة الأكباد التي أنجبت سلالة ما زالت تتكاثر حتى اليوم؟.
كيف سنروي للمستقبل ما فعله الطغاة وما قام به الأبطال.. وماذا سيبقى من فلسطين إذا لم يكتبها الأدباء والشعراء وتصير القضية كما نسمة الهواء.. نتنفسها في الحروف والماء والذاكرة.
وللأسف.. قوم بلا ذاكرة وإلا ثأرنا من الصهاينة ومن العثمانية الجديدة الغادرة.. وإلا.. سنترك ذلك للأجيال القادمة كما قال الرئيس الراحل حافظ الأسد (ستتحرر فلسطين ربما ليس على أيامنا ولكنه سيأتي جيل من الأبناء ويحررها)
نعم ستتحرر القدس والجولان وستعود سورية موحدة.. وسنظل نشرب القهوة ونكتب عن الوطن وشهداء الوطن وأبطال الوطن في كل الأزمنة لأنهم الهوية والتاريخ الماضي والحاضر وذاكرة المستقبل.. ومن لا يكون له ذاكرة لن يكون له وطن.
ويحدث أن تشرب القهوة وتعتب على الوطن.. لكن.. لو فكرت ملياً لوجدت أن الوطن لا علاقة له بكل ما يدور.. فليس نهر العاصي من ذبح رجال الجيش.. وليس الفرات من كسر جسر دير الزور.. وليس بردى من فجَّر ودمَّر.. نحن الذين فعلنا ذلك.. نحن البشر الذين خلقنا الله على صورته لنعمر الأوطان وليس لندمرها.. فعذراً يا وطن لأننا لم ندرك بهاءك حتى دمرناك.. ولم نشعر بغيابك حتى رحلت ورحلنا.. وراحت السكينة من قلوبنا.. اغفر لنا يا وطني إننا قوم جهلة غافلون لا نميز الصديق من العدو ولا السماء من الماء.
سيحدث أن نبكي طويلاً على وطن لم نصنه وسنكتفي منه وعليه بالبكاء.

أنيسة عبود
التاريخ: الأربعاء 9- 10-2019
رقم العدد : 17094