حفظ المتغيرات


 

يذكرني - الكمبيوتر- بسؤاله دائماً عند أي تعديل أو تغيير في النص (هل تريد حفظ المتغيرات)؟
وأعتقد أن هذا السؤال نحتاجه كل يوم بعد اندلاع الحرب في سورية لكثرة المتغيرات الواقعة على المكان والزمان والأشخاص.. فهل نحتاج إلى حفظ هذه المتغيرات؟
وللأسف.. المتغيرات كثيرة.. متغيرات أخلاقية وعادات وتقاليد وقيم أساسية كانت سائدة في المجتمع السوري كله بكل أطيافه دون استثناء، وكان هناك أعراف يتحلى بها السوري وكانت ميزة من ميزاته التي يباهي بها.. مثل الكرم والضيافة والأمانة والأمان والوطنية والتزامه بالقضية الفلسطينية والعروبة وقيم النضال والدفاع عن كرامته.
ولكن حدث أن غيرت الحرب الكثير من هذه الميزات التي كانت تجمعنا وتشكل البنيان المرصوص لشعبنا.. وحدث أن الذاكرة راحت تخزن وتحفظ هذه المتغيرات السلبية في مجتمعنا.. وللأسف الذاكرة لا تسأل كما يسأل الحاسوب.. ولا تعرف أن تنقي وتغربل القش من القمح.. هي فقط تحفظ كل ما تسمعه الأذن وما تراه العين.. وما رأته عين السوريين يفوق كل التصورات.. امرأة تذبح رجلاً، وطفل ينحر جندياً، وسوريون كانوا بالأمس إخوة وصاروا اليوم يهدمون المصانع ويسرقونها ويفجرون الجوامع ويقتلون شيوخ منابرها كما حدث في جامع حلب الكبير وفي كثير من جوامع سورية.. مدارس كانت منابر علم ومعرفة وفكر صارت مستودعات للأسلحة وسجون للقتل ومخابئ للمرتزقة من كل حدب وصوب.
حقول نفط لكل السوريين تحولت إلى فئة قليلة تبيع النفط للتركي والصهيوني وتحرم الشعب من خيرات سورية ومن ثرواتها..
صوامع حبوب تنهب وحقول قطن وقمح تسرق.. طرقات يمسك بها قطاع طرق دوليون وسوريون.. حدود تفتح على كل الخونة والعملاء.. حتى كبار المثقفين ممن كنا نعتبرهم أساتذة ومفكرين صاروا ورقة بيد أعداء سورية وصاروا بكل وقاحة يبيعون الشعب وخبزه وترابه للأميركي والتركي والصهيوني من أجل فنادق النجوم الخمس مع حفنة دولارات مغمسة بدم أطفال سورية ونسائها وشيوخها.
ناهيك عن إعلام دموي مزور كاذب.. ينفقون عليه ثروات شعوبهم من أجل تلميع صورة الخونة والقتلة ومن أجل تسريع انهيار سورية لتكون مقراً للرجعية والصهيونية وممراً لتمزيق المنطقة ونهب مقدراتها ووضعها تحت الوصاية الدولية وتفتيتها إلى دويلات متناحرة.
وما يحدث في لبنان اليوم يعود بنا إلى الوراء حيث كان لبنان جزءاً من سورية الطبيعية ولكن جرى تمزيقه عن الوطن الأم وصنعوا منه دولة تابعة ومتعاركة مع نفسها.. ولولا المقاومة التي احتضنتها سورية لكان وضع لبنان أشدّ سوءاً.
وما يحدث في لبنان هو سيناريو جديد قديم يراد منه حرب أهلية جديدة وفتنة دموية كبيرة.
فالاستعمار يخفي وجهه ليظهر ذيله.. لا يكل ولا يملّ ولا يستسلم إلا أمام وعي الشعوب ومقاومتها ووطنيتها المخلصة.
لذلك.. أعيد السؤال كما يعيده الحاسوب.. هل تريد حفظ المتغيرات؟
أم سؤال الفيسبوك الذي يضع خيارات الحفظ أو التجاهل.. وهنا الطامة الكبرى.. الحفظ يعني استمرار التذكر.. استمرار الألم.. استمرار الحرب الظالمة الدموية على الشعب العربي كله في سورية وليبيا واليمن والعراق ولبنان والقادم أفظع.. وهنا لا بد من التذكير بما يفعله الغرب والصهاينة بالخليج العربي وبأرض الحجاز كلها حيث التهديد والوعيد سراً وعلانية - إما أن تدفعوا أموالكم وثرواتكم للغرب.. وإما نهايتكم وشيكة..) يعني أن أشقاءنا في الخليج يعيشون تحت عصا الأميركي والصهيوني وعليهم أن يتقوا الشر بالدفع ثم الدفع إلى أن ينضب البترول وتهوي العروش وتعود أبراج الرفاهية إلى خيامها القديمة. وهذا محزن بالنسبة لي كعربية وسورية مؤمنة بالعروبة والدم العربي الواحد، لكن هي الحقيقة، فهل نحفظ المتغيرات أم نتجاهلها؟.

أنيسة عبود
التاريخ: الأربعاء 30 - 10-2019
رقم العدد : 17110