دمشق في عيوننا


 

لم تبتعد عني دمشق كثيراً وأنا في - جنيف - فالذين نحبهم نحملهم في قلوبنا ونطير بهم إلى آخر الدنيا.. وأنا حملت دمشق في قلبي.. وأخذت معي قاسيونها ونهرها وعطر شهدائها. لم أكن معنية بشيء سوى بصوت المقهورين والمظلومين والجرحى واليتامى والأمهات الثكالى.. شعرت أن الحمل ثقيل جداً عليّ وعلى كل فرد من الوفد العربي السوري الذي كان على قدر المسؤولية الملقاة على عاتقه من قبل الدولة والشعب السوري. لذلك طفرت دمعتي وأنا أرتفع بعيداً عن دمشق لأقترب منها في قلبي.
في البعد عن الوطن يقترب الوطن منك أكثر.. وتصير الوجوه التي تطويها ذاكرتك حاضرة كلها.. ويحضر معها الإرث الثقافي والاجتماعي والفكري وما نحمله من قيم أخلاقية ووطنية.
في الاجتماعات التي انعقدت في جنيف كانت تجلس دمشق في عيوننا.. لم يكن أحد يراها غيرنا.. كنا نخاطبها ونهمس لها وكانت تمدنا بالعزيمة والنضال والصبر.. لذلك كانت بعض الوجوه السوداء الكالحة التي تعبرنا وهي محملة بالحقد والضغينة تمرّ دون أن نلتفت إليها أو نراها.. وتصرخ فما كنا نسمعها.. كانت قاعتنا مملوءة بياسمين الشام وعطر البرتقال وهسيس قمح الجزيرة والشمال وكان للجنوب ألقه بيننا فما تركنا الصباحات تمر ولا المساءات تروح إلا وهي محملة بالتحية للوطن الذي كان الملاك الحارس بيننا.
للوهلة الأولى شعرت بالغربة كما لو أني سمكة سورية خرجت من بحر اللاذقية.. خاصة عندما شاهدت مجموعة من الأطفال - السويسريين - يسيرون بتؤدة على الورق الأصفر الذي يغطي الحديقة المحيطة بالفندق.. كانوا يلبسون الثياب الجميلة والأحذية الفاخرة وكانت معلمتهم ترعاهم كما نرعى العصافير الصغار. وبقدر جمال المشهد إلا انه آلمني لأنه استحضر فوراً أطفال وطني الذين يمشون بين الرصاصة والرصاصة.. وينامون بين البرد والعتمة.. يشعلون الثياب ليتدفؤوا.. والشموع لحفظوا دروسهم، ويذهبون إلى المدرسة بثياب حزينة وأحذية بالية.. فلماذا وكيف ينعم الأجانب بكل هذا الرفاه وننعم نحن بالقتل والتدمير والجوع؟
حين نقول إن الغرب يعيش الرفاهية من جيوبنا ودمنا يستغرب البعض هذا القول، وحين نحمّل الغرب جزءاً كبيراً من تخلفنا وفقرنا أيضاً ينتفض كثيرون مستنكرين ذلك، كأنهم لم يسمعوا ترامب وهو يطالب بالبترول السوري.. وأنه من محبي البترول. لذلك سيرسل جنوده ومرتزقته الطاغية للاستيلاء على ثروات النفط السوري التي هي حق للشعب السوري ولأطفاله كي يتعلموا ويعيشوا بنعيم كما يعيش الأوروبي. وهذا كان مطلبنا في الاجتماعات التي دارت في الأمم المتحدة.. فالثروات الوطنية من حقنا.. ومن حقنا أن ننعم بالحياة الكريمة بعيداً عن الحصار الاقتصادي الذي تمارسه علينا الدول المستكبرة كي نخضع.. ولن نخضع ولن نهادن حتى تعود سورية كما كانت موحدة قوية بجيشها وشعبها وترابها المقدس. ولنتذكر كلام كونداليزا رايس التي قالت (لا نستطيع إخضاع سورية لأنها تأكل خبزها من قمحها).
لقد كان التطور الزراعي الذي دعمته الدولة حتى صار ركناً أساسياً من أركان الاقتصاد السوري سبباً مهماً وعنصراً أكيداً في صمود سورية واستمراريتها.. وعلى الرغم من حرق المحاصيل ونهبها وتدمير الكثير من المراكز الزراعية والبحثية المهمة ظلت سورية شبه مكتفية زراعياً وغذائياً وظلت تجارب البحوث العلمية مستمرة على الرغم من تحويل مركز هيئة البحوث في دوما إلى سجن التوبة.. لقد سجن الإرهابيون البشر والشجر والأبحاث والأفكار ومع ذلك فاض الخصب والاخضرار وظلت بلادي تزرع وتحصد وتنجب الأبطال والكفاءات العلمية العالية والوطنية، والدليل على ذلك وفد الدولة السورية المدعوم من حكومتها الذي كان وفداً منسجماً راقياً لدرجة أنه أدهش ممثل الأمم المتحدة بانضباطه وكفاءاته العلمية والفكرية والمعرفية، وبحواراته الراقية المترفعة عن الصغائر وعن الشتائم التي تمترس بها بعض وفد المعارضة ممن ينتمون إلى جهات خارجية ويقبضون من جهات معادية فكان معجمهم اللغوي بعيداً عن معجمنا وعن تطلعاتنا وأهدافنا.. مع ذلك كنا نطمح وما زلنا أن يرجع البعض إلى وعيه ويخرج من غيه الزائف ويجعل سورية أمنا الكبرى التي لا بديل لها، فنبني معاً ونتناسى معاً ونكون كما قال الشاعر:
لنا الصدر دون العالمين أو القبر..
أنيسة عبود
التاريخ: الأربعاء 13 - 11-2019
رقم العدد : 17121