موروث العتمة


لم أكره في حياتي شيئاً كما كرهت العتمة سواء أكانت عتمة مكان أم عتمة آراء أم عتمة وجوه لا تعرف كيف تقرأها ولا تعرف كيف تستدير نحوها ما يؤدي إلى الشعور بأن هناك حواجز منصوبة بينك وبين الآخرين وعليك أن تتلمس ببصيرتك المكان لتتعرف على تفاصيله المحيطة التي أنت جزء منها.
واليوم عادت العتمة مع عودة الشتاء وعاد التيار الكهربائي للانقطاع المكثف بشكل مفاجئ ودون مقدمات، بعد أن كنا قد صدقنا بأن الكهرباء صارت أربعاً وعشرين على أربع وعشرين وأن زمن العتمة قد ولى ونستطيع أن نسهر مع كتبنا وحواسيبنا ..ويقدر الأولاد أن ينجزوا وظائفهم ومن ثم تلتم العائلة حول المسلسل اليومي وهي تشرب الشاي الساخن ..وإذا اقتضى الأمر يمكن أن نستقبل ضيوفاً في السهرة ونشوي البطاطا الحلوة على مدفأة المازوت ونحن نتبادل الحوارات اللطيفة .ولكن أن تعود الكهرباء على سابق عهدها منذ سبع أو ثماني سنوات فهذا مالا طاقة لنا به ..لقد تعبنا من رائحة المولدات والبطاريات ومن تشويه المنزل (باللدات) وتعبنا من الوحدة والوحشة والابتعاد عن الأصدقاء والخلان بسبب العتمة التي تجبرنا على الاعتذار فور طرح السؤال (هل نقدر أن نزوركم مساء ؟؟)
ويأتي الجواب ..آسفون .. مساء تنقطع الكهرباء ويجتمع أهل المنزل في غرفة واحدة ولا يمكننا أن نفرضكم على باقي أفراد المنزل..فتضيع فرصة التلاقي والأنس ويصير المنزل مساء - كما ذكرت موحشا» وتفاصيله مثل التماثيل تحت العتمة التي نساهرها ونسايرها كي تخفف الوطء ولكن لا جدوى فيزداد التوتر وترتفع الأصوات ويظهر الضيق على كل من في المنزل ..هذا لم ينجز مهمته وذاك لم يكمل دروسه وآخر ذهب للنوم علّه يفيق ولا يفيق ..وهكذا تتوالى المنغصات ..تنكسر صحون وتنكسر أحلام المساء ويتربع الجميع على مقاعدهم منتظرين (ست الحسن) وعندما تأتي ست الحسن يكون الوقت قد تهدل والطاقة انطفأت.. فيذهب البعض إلى النوم منزعجا» غاضبا» (مثلي) والبعض الآخر يتحول إلى قنبلة موقوتة وهو يردد لماذا ..وإلى متى؟
ولو أن الأمر ينتهي عند هذا الحد لكنا قد تأقلمنا مع عتمة أكرهها منذ طفولتي ..حيث كنت أعيش في قرية صغيرة لم تصلها الكهرباء ولا الماء ولا السيارات الفارهة ولا البوسطات حتى غادرتها وصرت ضيفة عليها. لكن عتمة هذه الأيام تحتاج إلى أموال حتى تستطيع أن تتجاوزها ولا ترى أشباحها يركضون خلفك.تحتاج إلى مولدات وهي فقط عند (ناس وناس) وإلى لدات وبطاريات وكثير من الناس لا يقدرون على شراء البطارية أو تجديدها، ما يؤدي إلى استفحال تأثيرات العتمة على الفرد وعلى الأسرة التي تنقطع عن التواصل مع العالم الخارجي سواء التلفاز أم الكتاب أم الجيران ..لدرجة أني أشعر (حين تنهمر العتمة ويمد موظف الكهرباء يده لينزل القاطع الرهيب) أن بيتي صار جزيرة معزولة عن العالم ..وأن خارجه صار مدينة أشباح وأن الشوارع لا فائدة منها إلا من أجل أن تمر الرياح وتسوق أكياس النايلون المجنونة أمامها والقطط تنبش القمامة وتموء من الجوع حيث لن تجد فيها ما يسكت نهمها للحوم والأسماك .فتزعق محتجة (يا أهل البحر) نعم نحن أهل البحر وجيرانه ولكن لا أسماك لدينا.الأسماك في البحر تنتظر صيادين من نوع آخر غير موجود في بيوت الموظفين - والمعترين - من العمال الدراويش. وأعتقد أن أكثر الفقراء في البلد هم من الموظفين بكل درجاتهم (حتى بعد زيادة الراتب) إذ لا يمكن أن نتجاهل انخفاض القيمة الشرائية للعملة السورية وانخفاض مستوى المعيشة..وبالتالي زيادة العتمة الفكرية والمادية والثقافية بحيث تصير كل أحلام المواطن الذي يعيش في العتمة أن يشبع وأن يؤمن بطارية ليتابع نشرة الأحوال الجوية ونشرة الأحوال الاقتصادية التي لم تأت بجديد منذ سنوات عديدة..ولهذا يقع الناس الذين مثلي في القهر والخيبة كلما جاء المساء وقرع على الأبواب العتيقة دون أن يفتح له باب ودون أن يلقي على المنتظرين الجواب.
لكني سأظل أكره العتمة وأنتظر الضوء عله يأتي ولو من مشكاة.

أنيسة عبود
التاريخ: الأربعاء 27-11-2019
الرقم: 17132