جردة سنوات


 

السماء ترمي ثلجها وتفرش الأرض بغطاء أبيض.. لم يعد الإسفلت الأسود يظهر إلا عبر بقع صغيرة.. انتبه فادي إلى تلك الثقوب السوداء فشعر بالحزن.. ليت الثلج يغطي كل سواد الأرض.. لكن هو يعرف أن ذلك غير ممكن وأن الضد يظهر حسنه الضدّ.. لكن الضد ازداد واتسع وامتلأت الأرواح بالسواد.. ها هي السنة تقف خلف الباب مودعة.. لم يكن فادي يشعر بالأيام تمر سريعة كما هي الآن.. هذا جعله يشعر بانكسار في روحه.. حرك يده التي ترك نصفها في دير الزور؟؟ كظم دمعته.. لا يريد أن يرجع إلى الوراء.. السنة تركض والأيام تركض وهذه تسع سنوات تقريباً من الحرب التي دمرت النفوس أولاً.. كان فادي قد تخرج للتو من كلية الهندسة.. وكان يأمل أن يكمل تعليمه العالي.. لكنه التحق بالجيش ليخدم المدة الإلزامية.. لكنه أكمل المدة، وبعد بعد المدة.. وعندما أصيب في دير الزور عبر ضربة أميركية غاب عن الوعي عدة أيام ليستيقظ ويجد نفسه بلا يد.. توجع كثيراً وامتلأ قلبه بالحقد وأراد أن يأخذ بالثأر.. تمنى لو أنه فقد يده في الجولان.. أو في معركة التحرير مع الصهاينة.. لكن أن يفقد يده في دير الزور عبر ضربة أميركية إرضاء لمعارضة عميلة فهذا لن ينساه.
السماء تثلج.. والشارع خال من المارة.. الريح الشمالية قارسة.. وهبوب الأمل قليل في روحه.. البيوت مغلقة على الجيران.. في كل بيت حكاية لا أحد يعرفها.. مسح دمعته وتذكر رفاقه الذين استشهدوا في جبل الثردة.. يقال إن جثامينهم حتى الآن لا تزال في الجبل.. وأن رياح الزمن تهب عليها ورياح النسيان تحفر في أشلائها.. تسع سنوات مرت على تخرجه وعلى الحرب.. وعلى باب الجامعه الذي أغلق وراءه.. كان هناك على المقعد الدراسي حبيبة وزملاء وأحلام كثيرة لم يبق منها شيء سوى يد مزروعة بعيداً عن جسده.. حلم مرات بأن يده عادت.. وأنها تحمل قمحاً من حقول الدير.. أو سلة قطن.. وحلم في نومه أنه يكتب الرسائل لحبيبته بيده.. ولكن الأسى كان شديداً عندما يستيقظ ويجد أن يده ما زالت هناك في أرض بعيدة.. وأن الجامعة أغلقت أبوابها إلى الأبد في وجهه.. وأن حبيبته تزوجت وربما صار لها أولاد.. أو أنها سافرت خارج البلاد.. وصار لها بلاد أخرى ونسيته.
الثلج يقرع النافذة.. يشعر بالبرد.. سمع نقراً على الباب.. ياه.. من القادم في هذا الصباح الكانوني البارد.. الرياح تهزّ النوافذ.. الباب يقرع.. مشى فادي ببطء لأنه لا ينتظر أحداً..غير أنه دهش عندما وجد السنة الجديدة على الباب حاملة له باقة من الأمل.. ابتسمت في وجهه وهمست له بأن الأيام تركض.. والسنوات تركض.. لكن الوطن باق.. والحلم باق.. همهم فادي مقهوراً ولم يرد.. ترك الورد على الباب وهمّ بالدخول إلا أن صوت رفيقه محمد جاءه ناعماً (لا تغلق الباب) استغرب الصوت الذي لم يسمعه من زمان. إلا أن محمد أطلّ بهدوء وهو يتكئ على عكاز معدني.. كان محمد قد أصيب في معركة تدمر وقد غابت أخباره.. لكنه اليوم جاء يشرب الشاي الساخن ويحدثه عن قدمه التي زرعها في بادية الحماد قرب نخيل البادية.. تعانق الرفيقان وتمنى كل منهما للآخر سنة جديدة سعيدة.. ثم قررا أن يخرجا إلى قلب المدينة لملاقاة السنة الجديدة بالفرح فالأوطان تستحق منا أن نزرع في تربته أجسادنا وأرواحنا ليبقى وطناً حراً أبياً.
السماء تثلج.. معارك إدلب تدور.. الجيش يتقدم.. السنة الجديدة تتقدم.. الأمل يتجدد والحياة لا تحتمل العودة إلى الوراء.. فلنمش لملاقاة العام الجديد تاركين وراءنا ذاكرة مثقلة بالأسى آملين أن نملأ ذاكرة السنة الجديدة بالفرح والانتصار وكل عام وأنتم بخير.
أنيسة عبود
التاريخ: الأربعاء 1- 1 -2020
رقم العدد : 17159