«الحب في زمن الكوليرا»

بالتأكيد، لن أتحدث عن رواية ماركيز الشهيرة، ولن أتحدث عن كاتبها الذي نال جائزة نوبل وذاع صيته في العالم، ما أدى إلى ترجمة أعماله إلى لغات كثيرة ومنها اللغة العربية.
ولأني قرأت هذه الرواية منذ ترجمتها على يد المترجم المهم صالح علماني، وأعرف تفاصيل الرواية، لكني بحثت عنها وأنا في - الحجر المنزلي - كي أعيد قراءتها من جديد، حيث اعتدت أن أعيد قراءة العمل بعد سنوات من القراءة الأولى.
وهنا لا بد من ملاحظة مهمة، حيث إن بعض الأعمال تفقد دهشتها وألقها في القراءة الثانية.. وهناك أعمال على عكس ذلك تبقى متوهجة في الذهن وتحافظ على دهشتها وجماليتها وعذوبة أسلوبها.
المهم أني لم أجد الرواية في المكتبة، وأدركت فوراً ان الأولاد سحبوها من الرفوف لقراءتها ولم يعيدوها، كما هي العادة مع أذينة.
غير أني رحت أبحث عنها في المكتبات القريبة من بيتي فوجدت طبعة جديدة من الرواية وبغلاف جديد ولون جديد وبترجمة صالح علماني، فجهزت القهوة وجلست قرب النافذة وأنا متهيئة للقراءة الشغوفة، ولكن كانت المفاجأة أن النسخة الأنيقة التي تتوفر في السوق هي نسخة مصورة وناقصة، ولا يمكن الاستفادة منها حيث إنها مملوءة بالورق الأبيض الفارغ وضياع التسلسل الرقمي للصفحات، ما أعاقني عن القراءة وملأ نفسي بالغضب، لقد دفعت مبلغاً محترماً لرواية عبارة عن ورق أبيض وصفحات ناقصة ونهايات غير معروفة.
فاستغربت من المكتبة التي فعلت ذلك.. وكيف تبيعها بهذا السعر المرتفع من دون خجل.. فأدركت أن الفساد والاحتيال لا يتوقف عند سلعة ما ولا عند هدف معين.
ولما انزعجت وعبرت عن سخطي، تمنيت أن ألاحق من فعل ذلك بالإرث الفكري والمعرفي للكتاب، لكن كانت الطامة الكبرى عندما اشترى ابني نسخة جديدة لي من الرواية نفسها وبغلاف مختلف وترجمة مختلفة لمترجم من حمص «حسين سنبلي» واستبشرت خيراً كي أكمل ما فاتني من الرواية التي بدت تفقد بعض ألقها بالنسبة لي على الأقل، وما إن تجاوزت المقدمة ودخلت في صلب الرواية حتى استغربت لغة المترجم التي بدت وكأنها لغة غير دارجة، فقد استخدم مفردات عفا عليها الزمن وكأنه أتى بها من المعجم، وكان يمكن تبسيطها أكثر.. فعدت إلى ترجمة صالح علماني، إلا أن الرواية ناقصة ومشوهة، ولكن لم يطل الوقت حتى اكتشفت أن النسخة الجديدة التي بين يدي هي أيضاً مصورة ومزورة.. وصفحاتها مقصوصة بحيث طار الهامش وطارت معه بدايات الأسطر لصفحات عديدة، وعندما قلّبت في عمق الرواية اكتشفت أنه لا يمكن قراءتها، وأنني لن أستطيع المتابعة فيها! فما كان مني إلا أن خرجت إلى الشرفة ورحت أمزق أوراق الرواية «نسخة صالح علماني المصورة ونسخة حسين سنبلي التي طبعتها أو زورتها مكتبة أخرى».. بدأت الأوراق تعلو ثم تنخفض وتسقط في الشارع الخاوي الخالي من الناس بسبب الحجر ومنع التجوال، غير أني فوجئت أن شخصيات الرواية خرجت من الورق وراحت تمشي في الشارع وهي مستغربة ومندهشة من وجودها في مدينة غريبة وفي شارع زادته الحرب فساداً وتحويراً وتزويراً، ولم يتق شر هذا الخراب على الرغم من الحرب وكورونا والغلاء.
وقفت أتأمل الورق والأشخاص الذائبين وكلي حيرة، فما كان إلا أن رأيت ماركيز يقف قبالتي ويبتسم بأسى وهو يهزّ رأسه.. فحييته معتذرة من تشويهه في بلد الأبجدية التي كان عليها أن تحفظ ماء وجهها لتبقى الأبجدية على الأقل منارة لا تشوهها المادة ولا يخترقها الفساد.. وبينما ألوّح للكاتب الذي راح يجمع أوراق روايته وشخصياته ويهم بالرحيل اقترب منه شرطي وصرخ بأعلى صوته: «ماذا تفعل هنا ؟ من سمح لك بالتجول ؟».
حاولت أن أحدث الشرطي وأخبره عن هذا الكاتب العالمي الذي قتلوا أفكاره وأساؤوا إلى أبطاله وفكره، إلا أن الشرطي لم يسمعني بل وضع القيد في يد الكاتب وساقه مع أبطاله إلى جهة مجهولة.

معاً على الطريق- أنيسة عبود


طباعة