شارات الضياع

متى تغيرنا؟
وكيف تغيرنا..؟ أم اننا لا نزال كما نحن قبل الكورونا وبعدها ولم يحدث أي مفارقات أو انزلاقات في ثوابتنا الحياتية؟
لكن متى تغيرنا؟ البنت ذات الثوب الأزرق الذي لم تغيره منذ أسابيع لا تزال قابعة عند ذاك الركن من الرصيف تبيع العلكة والمحارم المعطرة وقدماها الصغيرتان تتحديان الحذاء وتخرجان منه باتجاه الغبار.
أحيانا تغفو وتسهو عن ثروتها القومية فيمر بعض المراهقين ويخطفون محارمها، لتعود مكسورة الخاطر، فتكسر زوجة أبيها قلبها وتنام دون سندويشة الزيت والزعتر لأنها ضيعت ثروة العائلة.. وبقال الحارة ما زال هو، هو، وما زال يبرم (بوزه) كلما طلب منه جار أن يبيعه بالدين، على اعتبار أن الأسعار كل يوم تتغير وذلك حسب الدولار.. والدولار لا يقبل المساومة، فعندما يرتفع ترتفع حتى أيادي الناس باتجاه الله كي يرحم العباد.
هذا دليل على اننا لم نتغير، نحن قوم لا نحب التغيير وما تربينا عليه سيبقى وما حفظناه من السلف سينتقل إلى الخلف حتى ولو كنا في آخر الأرض.. سننقل عاداتنا وتقاليدنا وصورة البنت - أم الفستان الأزرق - معنا.
لكن لا بد من الاعتراف أننا عندما نقف أمام المرآة ونحدق في وجوهنا نلاحظ فيها صوراً غريبة وحارات تائهة وتعابير لم تكن لنا أبداً حتى ان ثيابنا لم تكن هي ثيابنا وما كنا نلبس مثل هذه الأحذية ولا نقابل مثل هذه الكائنات الغريبة التي تتحرك في ذاكرتنا.. صرنا نستحضر الماضي ونتشبث به.. لا ندعه يهرب كما لو أنه يحمينا، وحين نشعر بفقدانه نبكي مثل تائه في سوق غريب أو بين بشر لا يفهم لغتهم ولا يدري كيف يتواصل معهم.. لذلك كل هذه الزحمة لا تعنيه وكل هذه السيارات التي تملأ الشارع لا تعنيه.
فما الذي تغير بعد الكورونا وبعد هذا الحجر المنزلي؟
هل بتنا نحب الانفراد بالجدران والنوافذ والصمت؟
هل فقدنا شارات التواصل مع الآخر؟ وتحولت أحلامنا كلها نحو ضبط الهواء القادم من وراء الباب. ونتمنى لو نقدر أن نمنع حتى الهواء من الدخول إلينا.. مع ذلك أحيانا نضحك في سرنا ونرفض الاعتراف بأننا تغيرنا، صرنا ميالين إلى العزلة.. ميالين إلى حب الذات والأنانية المفرطة ( أنا أولاً وبعدي لتسكن كورونا الأرض كلها) ما عدت أغيث الملهوف وإذا رأيت منكراً لا أسعى إلى تغييره.. وإذا ما رأيت ظالماً لا أشهد ضده وإذا رأيت مظلوماً لا أبكي عليه.. وإذا سرقني جاري أقول (سيحاسبه الله)..
فهل هذا هو التغيير الذي حصل لنا أم أن هناك متغيرات لا نعرف كيف نصفها ولا كيف نتعامل معها.. فكثيرون فقدوا القدرة على الحب والشوق وعلى القيام بواجب العون للأقرباء والأصدقاء، كأنما تحولنا إلى حجارة.. حجارة لا تتألم ولا تندهش ولا تتحرك إلا إذا دحرجها الطوفان، مع ذلك هناك تحولات أخرى تحصل، منها الجشع الشديد والفساد الجديد الذي لا يشبه فساد ما قبل الكورونا.. إذ انتشرت طرق جديدة مبتكرة للفساد.. وهناك رجال مهمون يشجعون ويحمون هذا الفساد.. لذلك نجد تفاوتاً شديداً بين الناس من حيث إيمانهم بقضايا معينة، او تركهم وإهمالهم لقضايا أخرى كانت جوهرية.
الجوهري في المتغيرات أن تتأكد من نفسك.. من الذين حولك، ما مدى التغيير؟ وهل هو تغيير جوهري في السلوك والعادات والقيم؟ أم أن هناك متغيرات فقط على مستوى اللباس والألوان ومشاركة الناس بالوسواس الخناس الذي هو الكورونا الذي استطاع أن يغير بنا في شهور ما لم تقدر سنوات وحروب وكتب كثيرة على تغييره.
ها نحن أرقام مختبئة في بيوت منعزلة، ماذا يجري لا يعنينا؟ وماذا يسرقون لا يعنينا.. وماذا يخططون أيضاً لا يعنينا، كل ما يعنينا أن نبقى أقوياء أمام الكورونا ولو أكلنا الخبز الحاف وهم أكلوا مستقبلنا.
إذن تغيرنا.. وكذبة الكورونا ليست كذبة، وما عليك إلا ان تنظر إلى نفسك.. إلى ثيابك وأن تراقب خطواتك الحذرة المتعبة وأنت تخرج إلى الشارع الذي نسيت اسمه، فقد مر وقت طويل بينك وبينه، مرت عربات الجوع والفقر ومرت المسافات القاسية بينك وبين ذاتك، ولذلك لا داعي لأن تسترجع شيئاً.. فالشوارع ستبقى شوارع والبنت ذات الثوب الأزرق ستغيره إلى الأحمر ولكنها ستبقى في الشارع.. ولكن انت لن تبقى انت.

معاً على الطريق- أنيسة عبود


طباعة